الفرص المضاعة في الاقتصاد الأردني: حين تصبح كلفة التأجيل أعلى من كلفة الإصلاح
د. حمد الكساسبة
05-06-2026 10:12 PM
لم تكن التحديات التي يواجهها الاقتصاد الأردني وليدة ظرف واحد، ولا نتيجة قرار منفرد أو مرحلة محددة. فقد تشكلت تدريجيًا عبر سنوات طويلة، تداخلت فيها الأزمات الإقليمية ومحدودية الموارد وضغوط المالية العامة، مع تأخر بعض الإصلاحات التي كان يمكن أن تخفف الكلفة لو نُفذت في وقت أبكر. ومن هنا، فإن الحديث عن “الفرص المضاعة” لا يهدف إلى تحميل المسؤولية بطريقة انفعالية، بل إلى قراءة هادئة لمسار اقتصادي كان يمكن أن يكون أكثر قدرة على النمو والتشغيل لو استُثمرت بعض الفرص في توقيتها المناسب.
لقد امتلك الأردن، عبر عقود، عناصر قوة مهمة: موقع جغرافي في قلب المنطقة، ورأس مال بشري متعلم، واستقرار سياسي ومؤسسي نسبي، وعلاقات دولية واسعة، واتفاقيات تجارية مع أسواق متعددة. غير أن هذه المزايا لم تتحول بالقدر الكافي إلى قاعدة إنتاجية عميقة، أو صادرات عالية القيمة، أو فرص عمل واسعة ومستدامة. وهنا تكمن الإشكالية الأساسية: لم تكن المشكلة دائمًا في غياب الإمكانات، بل في ضعف تحويل هذه الإمكانات إلى مشروع اقتصادي وطني متكامل.
أولى الفرص التي لم تُستثمر كما ينبغي تمثلت في التعامل مع الاستقرار المالي والنقدي كهدف نهائي، لا كأرضية للانتقال نحو نمو إنتاجي أوسع. فقد استطاع الأردن، في مراحل مختلفة، الحفاظ على قدر من الاستقرار رغم الصدمات الخارجية، إلا أن هذا الاستقرار لم ينعكس بالسرعة والكفاية المطلوبتين على الاستثمار والتشغيل والإنتاج ومستويات الدخل. ولذلك بقي الاقتصاد يتحرك ضمن معدلات نمو محدودة، تعكس الصمود لكنها لا تكفي وحدها لمعالجة البطالة أو تغيير بنية الاقتصاد.
كما أن تأخر إصلاح القطاع العام مثّل فرصة أخرى ضاعت تدريجيًا. فقد توسعت الموازنة العامة في بنود جارية يصعب تخفيضها، بينما بقي الإنفاق الرأسمالي المنتج دون المستوى المطلوب. ومع مرور الوقت، أصبحت المالية العامة أكثر انشغالًا بإدارة الالتزامات القائمة، مثل الرواتب وخدمة الدين والدعم، وأقل قدرة على توجيه الموارد نحو مشاريع تنموية ترفع الإنتاجية وتخلق فرص عمل. وبذلك تحولت الموازنة، في أحيان كثيرة، من أداة لبناء المستقبل إلى أداة لإدارة الضغوط.
وعلى صعيد سوق العمل، كان من الممكن أن يبدأ الأردن مبكرًا في إعادة ربط التعليم بالتشغيل والإنتاج. فقد بقيت الفجوة واضحة بين مخرجات التعليم واحتياجات الاقتصاد، خصوصًا في مجالات التعليم التقني، والمهارات الرقمية، والتدريب المهني، والعمل الحر المنظم. ونتيجة لذلك، تحولت البطالة، وخاصة بين الشباب والنساء، إلى تحدٍّ هيكلي طويل الأمد. فالاقتصاد الذي لا يربط التعليم بالمهارة، والمهارة بالإنتاج، يدفع لاحقًا كلفة مزدوجة: تعليم لا يفتح أبواب العمل، وبطالة تهدر طاقات المجتمع.
وفي ملف الاستثمار، لم تكن المشكلة في غياب التشريعات فقط، بل في غياب سياسة استثمار قطاعية واضحة ومستقرة. فقد شهد الأردن تعديلات قانونية ومؤسسية متعددة، غير أن المستثمر يحتاج إلى منظومة متكاملة لا إلى نصوص قانونية وحدها. فهو يحتاج إلى أرض مخدومة، وطاقة بكلفة منافسة، وتمويل مناسب، وإجراءات سريعة، ووضوح في القطاعات ذات الأولوية، وقدرة على الوصول إلى الأسواق. ولهذا بقيت قطاعات واعدة مثل الصناعات الغذائية، والزراعة الذكية، والسياحة العلاجية، والخدمات الرقمية، واللوجستيات، أقل من إمكاناتها الحقيقية.
كذلك، كان إصلاح قطاعي الطاقة والمياه من الفرص التي كان يمكن أن تُدار بمنطق اقتصادي أبكر وأكثر شمولًا. فهذان القطاعان لا يمثلان خدمات أساسية فقط، بل يشكلان أساسًا مهمًا لتنافسية الصناعة والزراعة والاستثمار. وكل ارتفاع في كلفة الطاقة، وكل فاقد في المياه، وكل تأخير في تحسين الكفاءة، ينعكس مباشرة على كلفة الإنتاج وعلى قدرة الاقتصاد على المنافسة.
ومن الفرص التي لم تُستثمر بالصورة الكافية أيضًا الموقع الجغرافي للأردن. فالأردن كان يستطيع أن يتحول بصورة أسرع إلى مركز إقليمي للنقل، والخدمات، والتجارة، والتعليم، والصحة، وإعادة الإعمار. لكن الموقع لا يتحول وحده إلى ميزة اقتصادية. فالاستفادة منه تحتاج إلى بنية لوجستية فعالة، وإجراءات جمركية مرنة، وربط بين الصناعة والتجارة والتمويل والتصدير، وسياسات تجعل من الأردن نقطة إنتاج وخدمات لا مجرد موقع عبور.
أما التحول الرقمي، فقد كان فرصة مهمة أخرى تأخر تحويلها إلى مشروع وطني واسع. فالأردن يمتلك شبابًا متعلمًا، وشركات تكنولوجيا واعدة، وسمعة جيدة في الخدمات المهنية. غير أن الاقتصاد الرقمي ظل لفترة طويلة قطاعًا واعدًا أكثر منه محركًا رئيسيًا للتشغيل والتصدير. وكان يمكن أن يشكل العمل الرقمي، وتصدير الخدمات، والمنصات الآمنة للعمل الحر، والتدريب التقني المكثف، أحد المسارات المهمة لتخفيف البطالة ورفع دخل الأسر.
إن خطورة الفرص المضاعة لا تكمن فقط في أنها لم تتحقق، بل في أنها تتحول مع الوقت إلى كلفة إضافية. فكل تأخير في إصلاح سوق العمل يتحول إلى بطالة أعلى، وكل تأخير في تحسين بيئة الاستثمار يتحول إلى نمو أضعف، وكل تأخير في إصلاح الإدارة العامة يتحول إلى ضعف في التنفيذ، وكل تأخير في معالجة كلفة الطاقة والمياه يتحول إلى تراجع في التنافسية. وهكذا، يصبح الإصلاح لاحقًا أكثر صعوبة، لأنه يبدأ من تراكمات تحتاج إلى وقت وموارد وثقة عامة.
ومع ذلك، فإن الصورة ليست مغلقة. فالأردن لا يزال يملك فرصة مهمة لإعادة توجيه اقتصاده نحو الإنتاجية والاستثمار والتشغيل والتصدير. كما أن رؤية التحديث الاقتصادي يمكن أن تشكل إطارًا مناسبًا إذا انتقلت من مستوى الأهداف العامة إلى مستوى التنفيذ القطاعي الدقيق، وربطت بين السياسات المالية والنقدية والاستثمارية والتعليمية وسوق العمل. فالنجاح لا يتحقق بوجود الخطط وحدها، بل بقدرة الدولة على تحويلها إلى مشاريع قابلة للقياس، ومسؤوليات واضحة، ومواعيد تنفيذ محددة.
الخلاصة أن الأردن لم يفقد فرصته، لكنه فقد جزءًا مهمًا من الوقت. وما ضاع من وقت جعل الإصلاح أكثر كلفة، وعمّق بعض الاختلالات، وقلل قدرة السياسات التقليدية على تحقيق نتائج سريعة. ولذلك، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تحول هادئ لكنه حاسم: من إدارة العجز إلى بناء النمو، ومن توسيع الجباية إلى توسيع الإنتاج، ومن معالجة آثار البطالة إلى خلق فرص العمل، ومن الحديث عن الإمكانات إلى تحويلها إلى نتائج ملموسة. فالإصلاح الحقيقي لا يقاس بما تعلنه الحكومات من نوايا، بل بما يشعر به المواطن من فرص، وما يلمسه المستثمر من وضوح، وما يحققه الاقتصاد من قدرة أكبر على الاعتماد على ذاته. وإذا كان الأردن قد أضاع فرصًا في الماضي، فإن الفرصة الأهم اليوم هي ألا يسمح بتكرار ذلك؛ لأن كلفة ضياع الفرصة الثانية ستكون أعلى من كلفة الإصلاح نفسه.