facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




شؤون الأوقاف، مجلس واحد .. وطن واحد


عبدالنبي الشعلة
06-06-2026 12:33 PM

ثمة قرارات ومبادرات ينبغي أن نستقبلها بثقة وحسن نية، وأن ننظر إليها من زاوية ما يمكن أن تضيفه من خير ومصلحة عامة قبل أن نستعجل الحكم عليها أو البحث عن دوافع خفية وراءها. ومن هذا المنطلق أتوقف اليوم عند المرسوم الملكي القاضي بإنشاء «مجلس شؤون الأوقاف الإسلامية» في مملكة البحرين.

وينص المرسوم على أن المجلس يتمتع بالاستقلالية اللازمة لرعاية وإدارة الأوقاف واستغلالها وصرف إيراداتها وحفظ أعيانها وتعميرها وفقًا لصياغات الوقف وشروط الواقفين وأحكام الشريعة الإسلامية، كما ينص على تشكيل المجلس برئاسة الوزير المعني بالشؤون الإسلامية والأوقاف، وعضوية عدد من الشخصيات، من بينها نائبان للرئيس.

واللافت أن التشكيل الجديد أبقى على حضور المذهبين بصورة واضحة ومتوازنة، إذ أصبح رئيسا مجلسي الأوقاف السنية والجعفرية السابقين نائبين لرئيس المجلس الجديد، بما يعكس حرصًا على استمرار الخبرة المتراكمة والتمثيل المتوازن في إطار الهيكل التنظيمي الجديد.

ومن حيث الشكل والمضمون، يتضح أن هذه الخطوة تتجه نحو مزيد من التنظيم والتنسيق والانضباط المؤسسي. فالنظام السابق كان يقوم على وجود مجلسين منفصلين؛ أحدهما للأوقاف السنية والآخر للأوقاف الجعفرية، لكل منهما مقره المنفصل وإدارته ورئاسته واختصاصاته، رغم أنهما كانا يعملان في نهاية المطاف تحت مظلة الدولة نفسها ويتبعان للجهة الحكومية ذاتها.

ومنذ تأسيس المجلسين لم ير الرأي العام أي صورة من صور التواصل أو التنسيق أو التعاون أو العمل المشترك بينهما، سواء في تبادل الخبرات والمعلومات أو الاستفادة من التجارب الناجحة أو تطوير أساليب الاستثمار وإدارة الموارد الوقفية. كما لم تظهر مبادرات مشتركة ذات أثر ملموس في المجالات الاجتماعية أو الخيرية التي تخدم المواطنين المنتمين للمذهبين، بل العكس هو الواقع؛ إذ إن هذا التفريق الطوعي والانفصال بينهما اعتبره الكثيرون انعكاسًا ومساهمة في ترسيخ حالة الفصل بين الطائفتين في المجتمع.

ولذلك؛ فإن وجود إطار مؤسسي جامع لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره إلغاءً للتنوع أو مساسًا بالخصوصيات المذهبية، بل يمكن النظر إليه باعتباره فرصة لتعزيز التعاون والتكامل والاستفادة من الإمكانات المتاحة بصورة أفضل وأكثر كفاءة.

لقد عاشت دول الخليج العربية، منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، موجات متلاحقة من الاستقطاب الطائفي غذّتها صراعات إقليمية معروفة، وألقت بظلالها على المجتمعات الخليجية بدرجات متفاوتة. وخلال تلك العقود الطويلة، بذلت الدول والمجتمعات جهودًا كبيرة للحفاظ على تماسكها الوطني وصون علاقات التعايش بين مكوناتها المختلفة، رغم ما تعرضت له من محاولات للاستقطاب والتأثير والتوظيف السياسي للهويات الفرعية.

وليس سرًا أن بعض القوى الإقليمية سعت، على مدى سنوات طويلة، إلى الاستثمار في الانقسامات المذهبية وتحويلها إلى أدوات نفوذ سياسي. كما ليس سرًا أن بعض أبناء المجتمعات الخليجية تأثروا بدرجات متفاوتة بخطابات التهميش والاستقطاب التي جرى الترويج لها في ظروف إقليمية معقدة.

ومن هنا فإن المسؤولية الوطنية تقتضي العمل على تقوية عوامل الاندماج والتقارب، لا توسيع مساحات الفصل والتباعد. كما تقتضي تعزيز الانتماء الوطني الجامع دون أن يعني ذلك إلغاء الخصوصيات الثقافية أو المذهبية التي تشكل جزءًا من النسيج الاجتماعي للمجتمع البحريني.

وأتفهم أن لدى بعض المواطنين هواجس أو تساؤلات بشأن المرسوم الجديد، ومن حقهم أن يطرحوا تلك التساؤلات وأن يطلبوا التطمينات اللازمة. غير أن الحكم على هذه الخطوة ينبغي أن يستند إلى نتائجها العملية وأهدافها المعلنة، لا إلى افتراضات مسبقة أو مخاوف ليس لها ما يبررها على أرض الواقع.

فالمرسوم لم يتحدث عن إلغاء الأوقاف الجعفرية أو مصادرة خصوصيتها، بل أكد صراحة احترام شروط الواقفين وأحكام الشريعة الإسلامية، كما أن التشكيل الجديد حافظ على وجود تمثيل متوازن للمذهبين داخل المجلس.

ومن هذا المنطلق أرى أن إنشاء مجلس شؤون الأوقاف الإسلامية يمثل خطوة يمكن أن تسهم في تقليص المسافات النفسية والمؤسسية بين أبناء الوطن الواحد، وأن تفتح آفاقًا أوسع للتعاون والتكامل والعمل المشترك. كما آمل أن تكون هذه الخطوة جزءًا من مسار أوسع يهدف إلى تعزيز الوحدة الوطنية وترسيخ ثقافة المواطنة الجامعة وتحصين المجتمع من كل محاولات الفرقة والاستقطاب.

إن البحرين، التي عَرفت عبر تاريخها الطويل التعايش والتسامح والتنوع، ليست بحاجة إلى مزيد من الجدران الفاصلة بين أبنائها، بل إلى مزيد من الجسور التي تقرب بينهم. وما أحوجنا اليوم، في ظل ما تشهده المنطقة من تحولات وتحديات، إلى مبادرات تعزز الثقة المتبادلة وتوسع دوائر التعاون، وتؤكد أن ما يجمع البحرينيين أكبر بكثير مما يفرق بينهم.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :