الحكومات ومعركة المزاج العام: من يحكم من؟
عماد الشهاب
07-06-2026 03:42 PM
في الماضي، كانت الحكومات تخشى الانقلابات والثورات والحروب. أما اليوم، فهي تخشى شيئاً أكثر غموضاً وأشد خطورة: المزاج العام، فالدول لا تسقط دائماً بسبب الفقر، ولا تنهار بالضرورة بسبب نقص الموارد، ولا تهتز فقط تحت ضغط الأزمات. أحياناً تبدأ الأزمة الحقيقية عندما يستيقظ مجتمع كامل وهو يشعر بأن الأمور لا تسير في الاتجاه الصحيح، حتى وإن كانت المؤشرات الرسمية تقول العكس.
المزاج العام ليس استطلاع رأي، وليس “ترنداً” عابراً على وسائل التواصل الاجتماعي، بل هو ذلك الشعور الجمعي العميق الذي يحدد كيف يرى الناس دولتهم ومستقبلهم وموقعهم داخل المعادلة الوطنية. إنه الفرق بين مجتمع مستعد لتحمل الصعوبات لأنه يؤمن بالغد، ومجتمع يرى في كل قرار جديد دليلاً إضافياً على أن الأمور تتجه نحو المجهول، لهذا السبب، أصبحت معركة الحكومات الحديثة ليست فقط معركة إدارة الاقتصاد أو الخدمات أو الأمن، بل معركة إدارة المزاج العام، لكن هنا تكمن المفارقة الكبرى.
الكثير من الحكومات ما زالت تتعامل مع المزاج العام باعتباره مشكلة إعلامية، بينما هو في الحقيقة قضية سياسية واستراتيجية من الدرجة الأولى، فحين ترتفع البطالة، لا يكون الخطر في نسبة البطالة نفسها فقط، بل في الرسائل النفسية التي تبعثها للشباب. وحين تتباطأ عجلة الاقتصاد، لا تكمن المشكلة في الأرقام وحدها، بل في تراجع الإيمان بالمستقبل، وحين تتكرر الوعود دون نتائج ملموسة، لا تتآكل الثقة بالحكومة فحسب، بل تتآكل ثقة الناس بفكرة التغيير ذاتها.
اليوم، لم يعد المواطن يقارن نفسه بجاره أو ابن مدينته كما كان يحدث سابقاً. لقد أصبح يقارن نفسه بالعالم كله. الشاب الأردني يشاهد يومياً فرص العمل في أوروبا والخليج وآسيا، ويرى نماذج النجاح والفشل لحظة وقوعها. ويتابع كيف تتعامل الحكومات الأخرى مع التحديات ذاتها، وهنا نشأت أزمة جديدة لم تكن موجودة قبل عقدين: أزمة التوقعات.
فالكثير من المجتمعات لم تعد تعاني فقط من فجوة الدخل، بل من فجوة التوقعات، ما يريده الناس أصبح أكبر بكثير مما تستطيع الحكومات تقديمه بالسرعة المطلوبة. وكلما اتسعت هذه الفجوة، أصبح المزاج العام أكثر هشاشة وأكثر قابلية للتأثر بأي حدث أو إشاعة أو أزمة، وللأسف.
في الأردن، تبدو هذه المعادلة واضحة بصورة خاصة، فالدولة نجحت تاريخياً في بناء نموذج استقرار سياسي وأمني وسط إقليم مضطرب. ونجحت في عبور أزمات كان يمكن أن تعصف بدول أكبر وأكثر ثراءً، لكن التحدي الذي يفرض نفسه اليوم مختلف بطبيعته، إنه تحدي العلاقة بين المواطن والمستقبل.
فالكثير من الأردنيين اليوم لا يسألون فقط عن أوضاعهم الحالية، بل عن فرصهم القادمة، لا يسألون عن الرواتب فقط، بل عن إمكانية بناء حياة مستقرة، لا يسألون عن الخدمات فقط، بل عن مكانهم في مشروع الدولة خلال السنوات القادمة، وهنا يظهر السؤال الذي ينبغي أن يشغل صناع القرار أكثر من أي سؤال آخر: هل تمتلك الدولة سردية مستقبلية مقنعة؟، لأن الدول لا تُدار بالقرارات وحدها، بل بالروايات الكبرى أيضاً.
لقد نجحت دول كثيرة في تجاوز أزمات اقتصادية قاسية لأن مواطنيها كانوا يعرفون إلى أين تتجه بلادهم. ونجحت دول أخرى في الحفاظ على تماسكها رغم محدودية الموارد لأنها استطاعت إقناع الناس بأنهم شركاء في مشروع وطني واضح المعالم، أما حين تغيب السردية، فإن الإنجازات تصبح متفرقة، والقرارات تبدو معزولة، والإصلاحات تفقد معناها السياسي والاجتماعي.
المزاج العام لا يتحسن عبر البيانات الرسمية، ولا عبر الحملات الإعلامية، ولا حتى عبر الخطابات مهما كانت قوتها، إنه يتحسن عندما يشعر المواطن أن هناك رابطاً منطقياً بين ما يعيشه اليوم وما يمكن أن يعيشه غداً، ولهذا فإن التحدي الأكبر أمام الحكومات في السنوات المقبلة لن يكون إنتاج الوظائف فقط، أو جذب الاستثمارات فقط، أو تحسين الخدمات فقط، بل إعادة بناء الثقة بالمستقبل.
في النهاية، لا يمكن لأي حكومة أن تطلب من مواطنيها التفاؤل. التفاؤل ليس قراراً سياسياً ولا مادة قانونية يمكن إقرارها، ما تستطيع الحكومات فعله هو أمر أكثر أهمية: أن تجعل الأمل يبدو خياراً عقلانياً، وعندما يصبح الأمل عقلانياً، يصبح المزاج العام حليفاً للدولة. أما عندما يفقد الناس قدرتهم على تخيل مستقبل أفضل، فإن أخطر أشكال الأزمات تبدأ، حتى لو كانت كل المؤشر