حُلمْ إسرائيل بالشرق الأوسط الكبير
حسين بني هاني
12-06-2026 07:06 PM
نتنياهو لم يكن يوماً في عيون حوزة طهران الدينية ، إلاّ أبو رغال هذا العصر ، الذي قاد وحاول أن يدلَّ ترامب ، على معبد حكمهم في مدينة "قُمْ" ليهدمه فوق رؤوسهم ، بل الذي دفع سفنه لعبور المضيق ، كي تستوي على الجودي في طهران ، وتجعل بينها وبين تل أبيب سداً منيعاً ، بعد أن مكّن لهم ترامب القوة في الارض ، وكاد نتنياهو بطائراته أن يبلغ مشرق الشمس ، وهو يَصُبُّ على طهران قطرَ النار وجام الحديد ، لكنّ الرياح جاءت بما لا تشتهي سفن نتنياهو ، مما جعل حربه وحرب ترامب على إيران ، مثل حرب الفجّار ، في الأشهر الحُرُم.
قواعد الحرب الإسرائيلية ، لا زالت تحظى بالقدسية منذ عهد يشوع بن نون ، إذ تواصل وحدات جيش الاحتلال ، المحافظة على هذه التقاليد حتى الآن ، وتحمل وحداته العسكرية نموذج تابوت توضع فيه التوراة ، منقوشا عليها آية تدعو الله أن يبددالاعداء ، إذا تمكّن جيشهم من ذلك.
لا تريد إسرائيل إنهاء ملف هذه الحرب في الخليج ، بأي صورة من الصور ، ولكن كلام ترامب الأخير ، يكشف رغبته الشديدة بإسدال الستارة على مشروع الشرق الأوسط الذي تراهن عليه تل أبيب ، وقطع الطريق على أحلام إسرائيل الكبرى ، الذي بشّر به نتنياهو كثيرا قبل الحرب ، إذ بدا أن إحتلال واشنطن للعراق ، وفوضى كونداليزا رايس الخلاّقة ، لم تنفع في تغيير ملامح المنطقة ، وفق الرؤية المشتركة لواشنطن وتل أبيب . نتنياهو كان يدرك مسبقاً ، أن إيران هي حجر الزاوية والعقبة أمام هذا المشروع في المنطقة ، وأن معركة "هرمجدّون " الكبرى التي يتلوها ويؤمن بها كلّ يوم في كتابه المقدّس ، هي مع إيران وليس مع العراق ، إذا ما أريد تشكيل الشرق الأوسط وفق رؤيته ، هذه كلٌها كانت أماني نتنياهو ، التي لم تفلح فيها محاولات واشنطن ، في احتواء طهران أو تقليص نفوذها في المنطقة ، مما قادها إلى هذه الحرب المكلفة ، والتي لم يتبقى لإيران وفقها أي مجال للتفريط بما لديها من عناصر القوة ، وهي تُقبل على توقيع إتفاق تاريخي ، ينهي الحرب مع واشنطن.
بالنسبة لاسرائيل ، المعركة الكبرى بنظرها مع طهران لم تنتهي بعد ، ربما يشكّل هذا الاتفاق لها مع واشنطن ، استراحة محارب تقايض فيها طهران بين رفع القيود عنها ، وبين المراوغة في الملف النووي ، تماما كما فعلت مع الرئيس أوباما من قبل ، إذ يكفي منحها شهرين للتفاوض على هذا الملف ، لتجنيبها مخاطر استمرار الحصار والعقوبات ، هذا يعني أن طهران لم تستسلم كما كان يتمنى نتنياهو ووعد به ترامب ، وأنها بارعة في إدارة طاولة المفاوضات ، وأن الفقيه الايراني لديه مقدّسات فوقها ، لا يمكن التنازل عنها ، بدأت ملامحها تتعزز عبر مواقف المتشددين في الحرس الثوري ، الأمر الذي جعل السيناريو المقبل ، تتجلّى فيه سياسة تقوم على تقديم المزيد من الوعود ، ومحاولات جسّ النبض لإعلاء شأن الحوار بين الطرفين ، والمضي قدماً في إهدار الوقت دون نتائج تذكر ، لكي يجعلوا من المفاوضات قصة غامضة ، يظهرون فيها ترامب وكأنه الاسكندر الأكبر في قصة يأجوج ومأجوج التوراتية.
واضح أن إيران قد تجاوزت في صراعها مع الطرفين مرحلة العصا والجزرة ، وأنها تريد الآن أن تحصد جوائز الصبر، بعد أن لاح لها في الافق بوادر ضعف موقف نتنياهو امام ترامب ،وضعف موقف الأخير أمام الشعب الأمريكي ، وخشيته من نتائج الانتخابات النصفية القادمة في الكونغرس.
إعلان ترامب ، إنتهاء الحرب مع طهران ، كان بمثابة لطمة كبرى لنتنياهو ، ذاك الذي لم يكن يرغب أن تتوصل واشنطن إلى أي اتفاق مع إيران ، مما دفعه للتأكيد بأن إسرائيل ليست طرفاً في مذكرة التفاهم قيد التشكّل بين الطرفين ، وبات في علاقته مع ترامب وفق هذا المنظور ، يقترب من المحرّمات السياسيّة ، بل كبش فداء شارك في الغرم والصواريخ على إسرائيل ، ولكنه بعيد عن التسوية التي سيتقرر فيها مستقبل إسرائيل في الشرق الأوسط .