شبابنا في زمن الاختطاف العاطفي
د. جاسر خلف محاسنه
14-06-2026 09:23 PM
تتسارع خُطى المدينة وتتشابك تفاصيلها بين ضغوط الحياة اليومية وازدحامها، ليتأثر السلوك الإنساني بشكل مباشر ويغدو أكثر هشاشة وعرضة لانفعالات مفاجئة قد تغير مساره في لحظات معدودة. هذا التبدل السلوكي اللحظي يُشخّصه علم النفس العصبي بـ "الاختطاف العاطفي"، حيث تهيمن الاستجابة الانفعالية الحادة على التفكير الهادئ، فتتحول المواقف العابرة إلى سلوك اندفاعي غير محسوب العواقب. وتأتي فئة الشباب لتكون الأكثر تأثراً بهذا الاختطاف، مدفوعةً بطبيعة مرحلتهم العمرية وما يرافقها من رغبة حثيثة في إثبات الذات، وقلق بناء المستقبل، والتفاعل المستمر مع تدفق الفضاء الرقمي. من هنا، لم تعد بعض السلوكيات المندفعة في الطرقات، والملاعب، ومنصات التواصل مجرد انفلات شخصي، بل هي انعكاس مباشر لضغط بنيوي أوسع، يتجاوز الفرد ليشمل البيئة الاجتماعية والاقتصادية والمعمارية المحيطة به.
يتضح هذا الأثر بجلاء عند تفكيك المنظومة التي يتشكل ضمنها السلوك، والتي تمتد من داخل الإنسان إلى تفاصيل المدينة التي يسكنها؛ فالبيئة الحضرية تلعب دوراً خفياً ومستمراً في صياغة المزاج العام. ومع زحف الكتل الخرسانية وتمدد العمارات السكنية الشاهقة، التي ابتلعت مواقف السيارات والمساحات الإنسانية الحاضنة للالتقاء والراحة، تحولت الأحياء من فضاءات للعيش إلى ممرات ضيقة للاختناق البصري والنفسي. هذا الضيق المعماري، متزامناً مع تراجع المساحات الخضراء وانحسار المتنفسات العامة، خلق بيئة خصبة لارتفاع مستويات التوتر اليومي والاحتكاك المستمر، ليصبح الانفعال في أعلى درجات تأهبه، لا سيما لدى شباب يوازن بين متطلبات الدراسة، وضغوط العمل، ورحلة البحث عن الاستقرار في آن واحد.
وينضم البعد الاقتصادي إلى هذا المأزق الحضري ليزيده تعقيداً؛ إذ تشكل تحديات سوق العمل، وتفاوت الفرص، وطول فترات الانتقال إلى الاستقرار المهني ضغطاً نفسياً مزمناً يقلل من مستوى الرضا العام. وعندما تتقاطع هذه الضغوط الواقعية مع بيئة رقمية مصممة خصيصاً لتضخيم الخلافات وإعادة إنتاجها سعياً وراء التفاعل والانتشار، تتسع دوائر الانفعال وتنتقل بسرعة من الفرد إلى الجماعة؛ لتتحول منصات التواصل الاجتماعي من مساحات للتعبير إلى ناقل لعدوى التوتر، التي سرعان ما تنعكس سلوكاً عنيفاً في الواقع اليومي.
مواجهة هذه الظاهرة لا تحتمل الحلول المجتزأة، بل تتطلب مقاربة جذرية تبدأ من المدرسة عبر دمج برامج التعلم الاجتماعي والعاطفي التي تكسب الطلبة مهارات إدارة الانفعال، وحل النزاعات، والتواصل الواعي؛ وهي برامج أثبتت التجارب العالمية نجاعتها في خفض السلوك العدواني وتحسين بيئة التعلم. ثم يتسع هذا الدور في الجامعة ليتجاوز التلقين إلى بناء الشخصية وثقافة الحوار، حيث تمنح الأنشطة اللامنهجية ونوادي المناظرة والمبادرات التطوعية الشباب مساحات لتفريغ طاقاتهم بشكل إيجابي يرسخ قيم المواطنة والتنوع.
وعلى صعيد الممارسات اليومية، تمثل منظومة رخص القيادة فرصة عملية لإحداث فارق سلوكي؛ فالقيادة في عمقها وعي وانفعال وقدرة على اتخاذ القرار تحت الضغط، وليست مجرد مهارة تقنية لتدوير المقود. من هنا، يصبح تطوير برامج التأهيل المروري لتشمل الثبات الانفعالي وإدارة الغضب ضرورة للحد من التصعيد في المواقف المرورية المفاجئة. ويتوازى هذا المسار مع إعادة الاعتبار لهندسة المدينة نفسها، عبر الاستثمار في المساحات الخضراء والمرافق الشبابية، وإعادة التوازن للمشهد المعماري ليكون أكثر رحابة وإنسانية، مما يسهم في خفض مستويات القلق العام والحد من الاحتكاكات العنيفة في الفعاليات الجماهيرية.
وفي نهاية المطاف، يتكامل هذا الجهد الميداني مع دور الإعلام في إعادة تعريف مفاهيم القوة والنجاح، وترسيخ قيم ضبط النفس واحترام القانون كعناصر قوة لا ضعف، ويكتمل المسار بتطبيق قانوني عادل وحازم يكرس المسؤولية الفردية والجماعية. إن الاستثمار الحقيقي في الشباب يتجاوز توفير مقاعد الدراسة وفرص العمل إلى بناء كفاءتهم العاطفية؛ وعندما تتضافر جهود المدرسة، والجامعة، والأسرة، والمدينة، والإعلام، والقانون، تتحول الطاقة الانفعالية الحادة إلى قوة إنتاجية وإبداعية، ويصبح المجتمع أكثر تماسكاً واستقراراً.