facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




من برج المراقبة: قطر حلّقت .. وأمريكا تعثّرت على المدرج


كابتن أسامة شقمان
16-06-2026 10:32 AM

منذ بداية الثمانينيات، وأنا أتابع كأس العالم بعين لا ترى الكرة وحدها، بل ترى ما خلفها: التنظيم، حركة الجماهير، احترام الضيف، دقة المواعيد، سهولة التنقل، هيبة الافتتاح، وروح المكان. فالطيار لا يحكم على الرحلة من شكل الطائرة ولا من حجم المطار، بل من اللحظة الأولى لدخول الراكب إلى صالة السفر، حتى لحظة الهبوط الأخير بسلام وطمأنينة.

ومن هذه الزاوية، وبعد عقود من المتابعة والمقارنة، أقول إن ما قدمته قطر في مونديال 2022 لم يكن بطولة عابرة، بل كان نموذجًا مكتملًا في فن الاستضافة. كانت قطر صغيرة في الجغرافيا، لكنها واسعة في المعنى. محدودة في المساحة، لكنها كبيرة في قدرتها على جمع العالم داخل تجربة واحدة متماسكة، لا يتوه فيها المشجع بين المدن والمطارات والمسافات الطويلة.

وقبل قطر، شاهد العالم بطولات كبرى في دول ومدن عريقة. رأينا كأس العالم في كوريا الجنوبية واليابان عام 2002، حيث كان الختام في يوكوهاما. ثم في ألمانيا عام 2006، وكانت برلين قلب المشهد الأخير. وبعدها جنوب إفريقيا عام 2010، حيث حملت جوهانسبرغ أول مونديال إفريقي في التاريخ. ثم البرازيل عام 2014، وكانت ريو دي جانيرو مسرحًا لذاكرة كروية لا تُنسى. ثم روسيا عام 2018، حيث احتضنت موسكو النهائي. هذه محطات كبرى في تاريخ اللعبة، لكل واحدة منها نكهتها وقيمتها ومكانتها، لكنها جميعًا، رغم عظمتها، لم تمنح المشجع ذلك الإحساس المكثف بالقرب والوحدة الذي منحته قطر.

لقد بدت قطر وكأنها برج مراقبة واحد يدير حركة العالم بدقة. الملاعب قريبة، المترو حاضر، الطرق واضحة، الجماهير تتحرك بسلاسة، والحدث كله يسير بإيقاع واحد. كان المشجع يشعر أنه في قلب البطولة لا على أطرافها. يستطيع أن يعيش المباراة والمدينة والجمهور في يوم واحد، دون أن يتحول الحلم إلى مشقة سفر أو حسابات مرهقة.

أما ما يحدث اليوم في مونديال أمريكا والمكسيك وكندا 2026، فرغم ضخامة العنوان واتساع الخريطة وكثرة الملاعب والمدن، فإنه يبدو — في تقديري الشخصي — أقل انسجامًا بكثير مما رأيناه في قطر. البطولة هنا كبيرة بالحجم، لكنها متفرقة في الإحساس. موزعة بين ثلاث دول وست عشرة مدينة، حتى كأنها فقدت مركزها الروحي. وفي عالم الطيران، الاتساع بلا تنسيق ليس قوة دائمًا؛ إنه احتمال دائم للارتباك.

في قطر، كان افتتاح استاد البيت لحظة استثنائية. لم يكن مجرد عرض موسيقي أو احتفال افتتاحي، بل كان رسالة حضارية. هناك رأينا معنى الضيافة، ورأينا الصحراء تتحول إلى لغة عالمية، ورأينا الشرق يخاطب الغرب بثقة وهدوء وكرامة. حضور مورغان فريمان وغانم المفتاح لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل كان رمزًا لحوار إنساني عميق، يقول إن الاختلاف لا يمنع اللقاء، وإن العالم يستطيع أن يجلس في بيت عربي واحد.

ذلك الافتتاح، في رأيي، لا يزال حتى هذه اللحظة من أفخم وأعمق الافتتاحات الحديثة في تاريخ كأس العالم. فالفخامة ليست في ارتفاع الصوت ولا في كثافة الأضواء، بل في قوة المعنى. قطر لم تقدم عرضًا يمر ثم يُنسى، بل قدمت صورة بقيت في الذاكرة.

أما افتتاح 2026، الممتد بين مكسيكو سيتي وتورنتو ولوس أنجلوس، فقد بدا أقل وحدة وتأثيرًا. ثلاث منصات، ثلاث مدن، ثلاث بدايات، لكن بلا نبض واحد. صحيح أن الأسماء كبيرة، وأن الملاعب ضخمة، لكن البطولة لا تُقاس بالضخامة وحدها. فكم من مطار كبير يفشل في منح المسافر شعور الراحة، وكم من مدرج صغير يهبط عليه الطيار بأمان وثقة.

الفارق الجوهري أن قطر جعلت العالم يشعر بالقرب. أما هذه النسخة فتجعل المشجع يشعر بالمسافة. في قطر، كان الانتقال جزءًا من المتعة. أما اليوم، فالتنقل بين المدن والدول يبدو عبئًا إضافيًا على الجمهور. هناك تذاكر مرتفعة، فنادق مكلفة، رحلات داخلية، إجراءات مطارات، وحدود تجعل البطولة أقرب إلى مشروع سفر طويل منها إلى مهرجان كروي متصل.

وهنا تظهر فلسفة المكان. قطر استقبلت العالم كضيف. فتحت له المدينة، وقرّبت له الملاعب، ووضعت البطولة في متناول التجربة اليومية. أما في أمريكا الشمالية، فالمشجع يبدو أحيانًا كمن يطارد البطولة من مدينة إلى مدينة، ومن مطار إلى مطار، ومن سعر إلى سعر. وكرة القدم، في أصلها، ليست لعبة الأغنياء وحدهم؛ إنها لعبة الناس، لعبة الشوارع، لعبة الفرح البسيط.

ثم تأتي المسائل التي تمس الكرامة قبل التنظيم. حين تُثار قضايا حول تأشيرات، وتأخيرات، وتشدد حدودي، ومشكلات دخول بعض المشاركين، فإن البطولة تفقد شيئًا من روحها. كأس العالم يجب أن يكون بابًا مفتوحًا للعبة، لا ممرًا ضيقًا للإجراءات. فاللاعب والحكم والمشجع لا يأتون إلى البطولة كغرباء مشبوهين، بل كجزء من عائلة كروية عالمية.

وما يزيد الصورة اضطرابًا أن بعض الحوادث التنظيمية بدأت تظهر مبكرًا. فالمنتخب الإنجليزي، على سبيل المثال، وصل إلى معسكره في كانساس سيتي وسط حديث عن سرقة معدات وأغراض تخص الفريق أثناء نقلها من فلوريدا إلى مقر الإقامة والتدريب. وقد تم الحديث عن توجيه اتهامات لشخصين بعد العثور على جزء من تلك المعدات. قد تبدو الحادثة صغيرة مقارنة بحجم كأس العالم، لكنها في ميزان التنظيم ليست تفصيلًا عابرًا؛ فالفرق الكبرى لا تحتاج إلى مفاجآت من هذا النوع قبل أول مباراة، ولا يفترض أن يبدأ مشوارها في بطولة عالمية بسؤال عن الأحذية والمعدات والحقائب.

وفي عالم الطيران، مثل هذه الحوادث لا تُقرأ بحجمها فقط، بل بدلالتها. فالرحلة التي تبدأ بتأخير في البوابة، ثم ارتباك في الحقائب، ثم تضارب في التعليمات، تجعل الراكب يفقد جزءًا من ثقته حتى لو وصلت الطائرة في النهاية. وكذلك كأس العالم؛ لا يكفي أن تقام المباريات في موعدها، بل يجب أن يشعر الجميع أن المنظومة ممسوكة من أول خيط إلى آخر خيط.

ما حدث مع بعض المنتخبات، وما أُثير حول إجراءات الدخول والتفتيش والتأشيرات، يعطي انطباعًا أن السياسة والإجراءات حضرت أحيانًا قبل الرياضة. وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث لبطولة يفترض أن ترفع الإنسان فوق الحدود، لا أن تعيده إليها. في قطر، مهما كثرت الحملات والانتقادات قبل البطولة، فإن التجربة على الأرض بدت أكثر احترامًا وانضباطًا وقربًا من معنى الضيافة.

ومن هنا، لا تبدو المقارنة بالنسبة لي مجرد مقارنة بين قطر وأمريكا. إنها مقارنة بين فلسفتين: فلسفة الدولة التي أرادت أن تثبت للعالم أنها قادرة على تقديم شيء مختلف، وفلسفة البطولة الضخمة التي تبدو أحيانًا أسيرة السوق والمسافات والإجراءات. قطر قدّمت المونديال كذاكرة. أما النسخة الحالية فتقدمه كحدث كبير، لكنه حتى الآن لا يملك ذلك السحر الذي يربط الإنسان بالمكان.

قد يقول البعض إن مونديال 2026 أكبر من كل ما سبقه: منتخبات أكثر، مباريات أكثر، مدن أكثر. وهذا صحيح. لكن السؤال الأهم: هل الأكبر دائمًا أفضل؟ في الطيران، لا تكفي قوة المحرك إن غاب التوازن. ولا تكفي سعة الطائرة إن فقد الراكب راحته. وكذلك كأس العالم؛ لا تكفي الأرقام إن غابت الروح.

قطر نجحت لأنها فهمت أن التنظيم ليس مجرد جداول وملاعب، بل شعور عام بالثقة. شعور أن هناك من يفكر في التفاصيل قبل أن تقع المشكلة. شعور أن الضيف ليس رقمًا في إحصائية، بل إنسان جاء ليعيش لحظة تاريخية. ولهذا بقيت تجربة قطر في الذاكرة، لا لأنها كانت الأكبر، بل لأنها كانت الأكثر اكتمالًا وانسجامًا.

أما التقييم، فأقوله بوضوح وبصفتي متابعًا قديمًا لا يكتفي بالانبهار السطحي: قطر تستحق العلامة الكاملة في وحدة المكان، وجمال الافتتاح، وسهولة التنقل، وقوة الهوية، وحسن الضيافة، وقدرة البطولة على ترك أثر إنساني. أما ما نشاهده الآن، فلا يتجاوز — في تقديري — ثلاث درجات من عشرة إذا قيس بتجربة قطر.

لقد أقلعت قطر بالمونديال كما تقلع طائرة يقودها قائد يعرف مساره جيدًا: هادئة، واثقة، دقيقة، ومطمئنة. أما البطولة الحالية، فعلى الرغم من إمكاناتها الهائلة، تبدو كطائرة ضخمة تقف على مدرج واسع، لكنها لم تمنح الركاب بعد ذلك الإحساس النادر بأنهم في رحلة لا تُنسى.

لذلك أقولها من برج المراقبة، لا من مدرج العاطفة: قد تأتي بطولات أكبر، وقد تُصرف أموال أكثر، وقد تُبنى ملاعب أضخم، لكن ما حدث في قطر لن يتكرر بسهولة. وربما لن يتكرر أبدًا بذلك الانسجام وتلك الرمزية وتلك الروح.

قطر لم تستضف كأس العالم فقط.

قطر جعلت العالم يهبط على أرض عربية… ثم يغادر وهو يحمل شيئًا من دهشتها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :