" ثقوب" و "رقع " في "ثوب" العرس" الاميركي – الايراني !!
رجا طلب
18-06-2026 05:44 PM
ربما يكون هذا المقال مغامرة تحليلية اومحاولة لتقديم قراءة سياسية متعجلة لفهم وفحص اعلان المباديء او مذكرة التفاهم التى ستوقع يوم غد الجمعة في سويسرا ، ولكن هي مجرد محاولة لفهم المشهد ، وابدا هذا المقال في مقولة لثعلب السياسية ليس الاميركية فحسب بل العالمية على مدى اكثر من ستة عقود الا وهو وزير الخارجية الاميركية الاسبق هنري كيسنجر والذي يقول " السلام الحقيقي لا يُبنى على تأجيل الصراع، بل على معالجة جذوره" ، فاعلان المبادئ الأميركي–الإيراني المرتقب يمكن وصفه بانه صيغة انتقالية هشة، أقرب إلى هدنة سياسية مؤقتة منها إلى إطار سلام مستقر ، ورغم ما يُراد له أن يبدو كخطوة نحو " خفض التصعيد" ، إلا أن بنية الإعلان تكشف منذ اللحظة الأولى أنه ليس الا محاولة اميركية تستعجل اغلاق ملف المواجهة مع ايران اكثر مما هي وصفة لسلام مستقر ودائم .
يقول الدبلوماسي الاميركي العريق ريتشارد هاس مقولة شهيرة الا وهي " في الشرق الأوسط، كثيراً ما تُكتب الاتفاقات لتُدار الأزمة لا لتُنهيها " وفي اعتقادي ان هذا هو واقع حال اعلان المباديء حسبما نشر مؤخرا ، حيث ينص الإعلان على وقف الأعمال العدائية وفتح مرحلة من التهدئة تشمل أكثر من ساحة إقليمية، إلا أن هذا البند، رغم أهميته ، يظل مفتوحاً على تأويل واسع ، فهو لا يضع تعريفاً دقيقاً للأعمال العدائية، ولا يحدد آلية رقابة أو جهة تنفيذ ملزمة، ما يجعله أقرب إلى إعلان نوايا سياسي فضفاض منه إلى التزام قانوني صارم.
وهنا تبدأ أولى ثقوب الاتفاق بالظهور: هدنة تُعلن بوضوح، لكن أدوات ضمانها تبقى غامضة.
ثانيا : يتضمن الإعلان تأكيداً على احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وهو بند يبدو في ظاهره قاعدة مستقرة في العلاقات الدولية، لكنه في السياق الإقليمي الحالي يصطدم بتاريخ طويل من التشابك والتدخلات المتبادلة ، وبذلك يتحول هذا البند إلى صياغة ملتبسة أكثر منه التزاماً قابلاً للقياس أو التحقق، ما يتركه عرضة لإعادة التفسير وفق ميزان القوى وتطور الأحداث.
ثالثا : الملف النووي… التأجيل بدل الحسم ، وهذا الملف هو أحد أكثر عناصر الإعلان حساسية لانه لا يذهب مباشرة إلى جوهر الأزمة النووية بل يؤجلها إلى مسار تفاوضي يمتد لستين يوماً و هذا التأجيل يعكس حقيقة أساسية الا وهي أن الاتفاق لا يحسم القضية المركزية، بل يعيد جدولتها زمنياً ، فمسائل التخصيب، وآليات التفتيش، والعقوبات الاقتصادية، تُترك جميعها لمرحلة لاحقة، ما يعني أن قلب الأزمة ما زال خارج النص، وأن الاتفاق الحالي لا يتجاوز كونه محطة تنظيم للوقت السياسي وادارة الازمة بعيدا عن المواجهة.
يتضمن الإعلان إشارات إلى فتح مسارات اقتصادية وتسهيل حركة التجارة ورفع بعض القيود المرتبطة بالعقوبات ، لكن الإشكال لا يكمن في مضمون هذه البنود فقط، بل في إيقاعها الزمني ، فالمكاسب الاقتصادية تبدو أقرب إلى إجراءات سريعة نسبياً، في حين أن الالتزامات السياسية والنووية تُرحَّل إلى المستقبل ، وهذا يخلق اختلالاً في توازن الالتزامات، ويجعل الاتفاق عرضة للتوتر قبل أن يكتمل مساره التفاوضي.
بعيداً عن طاولة التفاوض، تبدو واشنطن نفسها ساحة اختبار حقيقية لهذا الإعلان ، فالإدارة الأميركية لا تتحرك ككتلة واحدة، بل داخل توازنات معقدة بين مؤسسات متعددة الرؤية ، فوزارة الدفاع تنظر إلى الاتفاق من زاوية المخاطر الأمنية وإعادة التموضع الإقليمي، فيما تميل الخارجية إلى خيار التهدئة ولكن دون إجماع كامل ، أما الاجهزة الامنية فليس لها تقدير واضح لنوايا الجانب الإيراني ، هذه الرؤي المختلفة ولا اقول الخلافية تجعل من الاتفاق مشروعاً سياسياً غير مكتمل داخلياً حتى قبل أن يُختبر خارجياً.
اما ما يزيد المشهد تعقيدا هي الخارطة الداخلية داخل الحزب الجمهوري، هناك لا يدور الجدل حول تفاصيل تقنية، بل حول جوهر الفكرة نفسها ، فهناك تيار يميني–إنجيلي يرى في إيران خصماً عقائدياً واستراتيجياً في آن واحد، ويعتبر أي تفاهم معها نوعاً من التراجع السياسي يصل الى مرحلة الهزيمة كما أن التيار المؤيد لإسرائيل داخل الحزب يشكل ضغطاً إضافياً، يجعل من الاتفاق ساحة صراع داخلي مفتوح، قد يمتد إلى الكونغرس والإعلام والرأي العام. وهذا بدا عمليا ، وبهذا المعنى، فإن الاتفاق لا يُختبر في طهران وحدها، بل داخل البنية السياسية الأميركية ذاتها.
باعتقادي ان العنصر الحيوي المؤثر ورغم غيابها عن الصورة ، تبقى إسرائيل عنصراً حاضراً بقوة في خلفية المشهد ، فهي تنظر إلى أي تفاهم مع إيران باعتباره إعادة تشكيل للتوازنات الإقليمية تضعفها وتقلص قوتها ، ولذلك فهي تعمل عبر حلفائها التقليديين في واشنطن على التأثير على هذا التفاهم باعتباره هزيمة استراتيجية لها وتحديدا لليمين الصهيوني وان مهمتها الاساسية قد تبدلت من جعل ايران العدو الاول والقضاء على نظامها و اسقاطه الى وضع هذا التفاهم قي صدارة الاجندة الاسرائيلية كخطر استراتيجي على وجودها ككل .
في المحصلة، لا يبدو إعلان المبادئ الأميركي–الإيراني اتفاقاً نهائياً بقدر ما هو إدارة مؤقتة لصراع طويل ، فهو يحمل في داخله تناقضات واضحة: بنود عامة بلا ضمانات تنفيذ، ملفات مؤجلة، ومشهد داخلي أميركي منقسم، وضغوط إقليمية مفتوحة.
إنه اشبه ما يكون بمطلقة حسناء حالفها الحظ بعريس عجوز وثري وتريد اظهار انه حبيبها وخيارها الناجح ، فارتدت ثوبا فاخرا وطلبت ان تزف في حفل زفاف فخم ، لكن الجميع كان يرى في هذا الثوب ثقوب الزواج الفاشل .