يزيد أبو ليلى .. ارفع رأسك فالنشامى لا تُسقطهم عثرة
جهاد مساعده
19-06-2026 09:09 PM
يقف يزيد أبو ليلى بين قائمين، ويقف خلف الشاشة بعضُ المتابعين الذين لم يقتربوا يومًا من قائمَي المرمى، لكنهم يعرفون تمامًا كيف كان ينبغي للحارس أن يقفز.
يزيد أمام كرةٍ تصل إليه في جزءٍ من الثانية، وهم أمام إعادةٍ بطيئة، وفنجان قهوة، ووقتٍ يكفي لتغيير تاريخ المباراة.
وفجأة، صار كلُّ من يعرف شكل الكرة محللًا، وكلُّ من شاهد مباراتين مدربًا، وكلُّ من حفظ اسم لاعبٍ خبيرًا في التمركز وردة الفعل وزوايا التسديد.
أما الذين لا يعرفون من كرة القدم إلا أنها مستديرة، فقد وجدوا أخيرًا فرصةً ليشرحوا لحارس المنتخب كيف يُحرس المرمى.
المنصات لا تطلب شهادة خبرة؛ يكفي أن تملك هاتفًا، وغضبًا، وبعض الكلمات القاسية، لتدخل الاستوديو التحليلي من دون استئذان.
يزيد يملك ثانيةً واحدةً ليقرر، والمتفرج يملك ليلةً كاملةً ليحاكم.
هو يرى الكرة والمهاجم والمرمى في لحظةٍ واحدة، وهم يرون اللقطة من خمس زوايا، ثم يسألونه بثقة: لماذا لم تفعل ما عرفناه نحن بعد انتهاء اللقطة؟
والمفارقة أن أهل الاختصاص كانوا أكثر هدوءًا؛ فقد قرؤوا المشهد كاملًا، ونظروا إلى حركة الدفاع، ومسار الكرة، وسرعة التسديد، والوقت المتاح للحارس.
أما بعض مَن لا علاقة لهم بالتحليل، فقد وجدوا الحقيقة كاملةً في مقطعٍ لا يتجاوز ثوانٍ.
في كرة القدم، يمكن للمهاجم أن يهدر فرصًا كثيرة، ثم يسجل هدفًا فيُحمل على الأكتاف.
ويمكن للمدافع أن يتأخر، وللاعب الوسط أن يفقد الكرة، ثم يختفي الخطأ بين أقدام اللاعبين.
أما الحارس، فليس خلفه أحد؛ خلفه الشباك فقط، وخلف الشباك جمهورٌ ينتظر متهمًا.
إذا أنقذ عشر كرات، قيل: أدّى واجبه.
وإذا عبرت واحدة، قيل: اكتشفنا الحقيقة.
أيُّ حقيقة؟
أن الحارس إنسان؟
أن اللاعب قد يخطئ؟
أن كرة القدم لا تُلعب بآلاتٍ مبرمجة؟
يزيد أبو ليلى لم يكن عبئًا على المنتخب؛ فقد كان في محطاتٍ كثيرة أحد أسباب صموده وصعوده إلى كأس العالم، وحمى مرماه في لحظاتٍ صعبة. لكن الذاكرة الغاضبة قصيرة؛ تتذكر الكرة التي دخلت، وتنسى الكرات التي ماتت بين قفازيه.
وما شاهدناه من بعض التعليقات لم يكن نقدًا، بل غضبًا يبحث عن ضحية؛ فمن لا يعرف الفرق بين النقد والشتيمة، ولا بين التحليل والإساءة، لا يطوّر كرة القدم، بل يزيد المشهد توترًا وانفعالًا.
وللذين يتبارون في انتقاد يزيد من خلف الشاشات نقول: غادروا مقاعد المتفرجين، وانزلوا إلى الميدان، وقفوا بين القائمين، واحرسوا المرمى أمام كرةٍ لا تمنحكم إعادةً بطيئةً، ولا وقتًا لتصحيح القرار. عندها فقط ستعرفون أن حراسة المرمى ليست تعليقًا يُكتب، بل مسؤوليةٌ تُحمل.
ثم تأتي خصومات الأندية، حاملةً أعلامها الصغيرة إلى غرفة المنتخب.
هذا يهاجم اللاعب لأنه لا ينتمي إلى ناديه، وذاك يدافع عنه لأنه ينتمي إليه، وكأن قميص الأردن مجرد قميصٍ آخر في الدوري.
حين يرتدي اللاعب شعار الوطن، يُفترض أن تخلع الجماهير تعصبها عند الباب؛ فلا يبقى اسم نادٍ، ولا حساب مدرج، بل يبقى الأردن وحده.
لكن بعضهم يريد المنتخب مرآةً لخلافاته، لا فريقًا لوطنه.
لا تهدموا حارسًا لأن كرةً سبقت يده، ولا تمنحوا الغضب اسم التحليل؛ فالمنتخبات لا تُبنى بأصابع تكتب الإهانات، ولا يستعيد الحارس ثقته تحت مقصلة التعليقات.
يا يزيد، دَعْ قفازك يردّ الكرات، ودَعِ الأيام تردّ على التعليقات؛ فالميدان يعرف أهله، والمرمى لا يحرسه الكلام.
أنت تملك ما لا يملكه منتقدوك: شجاعة الوقوف بين القائمين، والقدرة على النهوض بعد كل عثرة.
ستعود إلى مرماك، وتراجع اللقطة، وتصحح ما تستطيع، وتنتظر الكرة المقبلة. أما بعض الذين يهرفون بما لا يعرفون، فسيعودون إلى هواتفهم، ينتظرون خطأً جديدًا، ولاعبًا آخر، ومحكمةً أخرى.
يا يزيد، ارفع رأسك؛ فدعمُ جلالة الملك يحيط بالنشامى، وسموُّ ولي العهد قريبٌ منكم، حاضرٌ بثقته ومساندته، والوطن كلُّه يقف خلفك وخلف زملائك، معتزًّا بما قدّمتم، ومؤمنًا بقدرتكم. فلا تلتفت إلى عابر الكلام؛ فالميدان يعرف رجاله، والنشمي لا تنال منه عثرة، بل ينهض منها أشدَّ ثباتًا وأقوى عزيمة.