الفضاء السلطي والسردية الأردنية (2)
م. عبد الغني طبلت الايوبيين
19-06-2026 11:51 PM
بادئ ذي بدء ، لابد من التنويه الى أن مايقصد ب "السردية الوطنية" عموما هو أنها "إطار وطني / محلي / شعبي جامع" ينشأ عن تفاعل الإنسان والمكان والذاكرة على امتداد الزمن"
وحيث ان سمو ولي العهد المعظم قد نادى الى بناء السردية الأردنية واخراجها الى حيز الوجود ، لتكون بمثابة الاطار الجامع الذي يوثق لتاريخ الوطن ويغذي ذاكرته الحية ، وتغدو بمنزلة الحاضنة التي تعكس مدى التفاعل البيني ، الذي امتد دهورا وحقبا زمنية متواترة أدت الى خلق عروة وثقى لا تنفصم بين الانسان والمكان ، فإن الواجب يحتم علينا تقديم الشكر والعرفان لوزارة الثقافة ووزيرها الفذ للتفاعل المميز مع توجهات سموه ، واتخاذ مايلزم من إجراءات وجهود بغية اخراج السردية الى حيز الوجود لتضاهي اعظم السرديات في العالم ، وتؤكد ان بلدنا الاردن موجود منذ الازل
وكغيرها من المدن والقرى والارياف والبوادي الأردنية ، فقد ارتبطت السلط بالذاكرة الوطنية بعلاقة جذرية بنيوية وحية على امتداد الزمن ، نتيجة لتماهيها مع المحتوى التاريخي للمنطقة وتأثيرها على مجرياته وإسهامها قياديا في صناعة احداثه ، وخاصة إبان المئة سنة الأخيرة من فترة الحكم العثماني (التي امتدت حتى قيام الإمارة في بداية القرن العشرين) مما أسفر عن انفتاح السلط واتساقها مبكرا مع معطيات التمدّن / الحضرنة بنوعيها المادي الملموس (من أبنية وأسواق وأحياء وساحات وأماكن عبادة ومرافق عامة ومقتنيات ومأثورات) واللامادي غير الملموس (من ممارسات وعادات وتقاليد وطقوس ومعارف ومهارات وحكايات وامثال وفنون) ، وأفضى الى تناغم المدينة بكل سهولة ويسر مع مقومات الدولة الحديثة ومنظومتها التنفيذية ، والاسهام بفاعلية في تدعيم ركائزها والحفاظ على ديمومتها وحماية مكتسباتها
وهنا لابد من التنويه الى أن كل ماسبق لم يأت محض صدفة ، وإنما تولد وارتكز ونضج بناء على وجود قاعدة عريضة من "سعة الأفق" والتسامح لدى مختلف مكونات السلط المجتمعية من عشائر وعائلات ومقيمين نتيجة انفتاحهم الذهني القاضي بتخطي اية اعتبارات تتعلق ب "ضيق الأفق" من تزمت وتشدد ، كي لاتترك أي بصمة أو أثر على شكل وقوام بنيتها المجتمعية (سكانية / ديموغرافية) المنسجمة والمتاَلفة ، وتمسك تلك المكونات بمجموعة من السلوكيات والممارسات التي سعت (ومازالت تسعى) الى تحقيق أبعاد ومضامين "السلم المجتمعي" و"التعايش المشترك" بين أبنائها ، ما فتح الباب على مصراعيه امام تواجد وتأثير مدينة السلط على الخطاب الوطني منذ بداياته ، ومكنها من الإسهام بلعب دور مهم في ترسيخ المحتوى التراثي (المادي واللامادي) لوطننا الغالي ودفعه نحو دائرة الضوء
إن كل ماسبق يؤكد على أصالة المدينة ومكانتها ، ويقر بقدرتها على الثبات امام التحديات وتجاوز العقبات ، دون نسيان أو تجاوز لبنيتها التراكمية المتواترة التي ترتكز على قواعد ثابتة من السلوكيات والممارسات المجتمعية المخضرمة ، وتقوم على احترام "التعددية وعدم اسقاط الاخر" ، وتربط مابين "الاصالة والمعاصرة" ، وتوفق مابين "الواقعية والرمزية" وتوائم مابين الإرث "المادي واللامادي" ، الأمر الذي يؤهل السلط لأن تغدو إحدى الركائز الرئيسية التي تمكن من تقديم الرعاية والحماية اللازمة لإنجاح السردية وإدراك معطياتها وإنضاج محتواها ، واخراجها الى حيز الوجود العملي ضمن سياق وطني متكامل يغطي كل مدن وقرى وبوادي واغوار الاردن ، وهي التي أسهمت (وما زالت تسهم) كمنظومة مجتمعة وكبنيان مرصوص في بناء الوطن وتحقيق تقدمه ، وحماية هويته واستقلاله ومنجزاته ، وتعزيز قيم الولاء والانتماء له ولقيادته الهاشمية المظفرة
وللحديث بقية
* المشرف العام / مبادرة تراثنا ذهبنا / السلط