معالجات اجتماعية واقتصادية لبعض المشكلات في الأردن من منظور محافظ
د. بركات النمر العبادي
20-06-2026 12:12 PM
*المجتمع الأردني بين التغيير والحفاظ على الثوابت
تُعدّ القضايا الاجتماعية من أكثر القضايا تأثيراً في استقرار الدول واستمرارها ، لأنها تمسّ الإنسان والأسرة والعلاقات التي تُشكّل النسيج الوطني وفي الأردن ، حيث تتداخل الخصوصية التاريخية والثقافية والدينية مع تحديات العصر الحديث ، تبرز الحاجة إلى مقاربة متوازنة تعالج المشكلات الاجتماعية دون أن تُفقد المجتمع هويته أو تُضعف مؤسساته الطبيعية.
ومن هنا ينطلق الفكر المحافظ الأردني، الذي لا ينظر إلى المجتمع باعتباره مجرد أفراد تجمعهم المصالح الآنية، بل ككيانٍ تاريخي حيّ تتراكم فيه الخبرات والقيم والعادات عبر الأجيال. فالمجتمع في الرؤية المحافظة ليس مشروعاً يُعاد تشكيله وفق نظريات مجردة، وإنما ميراث أخلاقي وثقافي يجب تطويره بحكمة مع الحفاظ على أسسه الراسخة.
يرى الفكر المحافظ أن الأسرة هي الخلية الأساسية في بناء المجتمع ، وأن كثيراً من المشكلات الاجتماعية المعاصرة تبدأ عندما تضعف الروابط الأسرية أو تتراجع وظائفها التربوية والثقافية ، ومن هذا المنطلق، فإن معالجة القضايا الاجتماعية تستوجب : - دعم الأسرة اقتصادياً عبر سياسات تشجع الاستقرار الأسري ، و تعزيز برامج الإرشاد الأسري والتأهيل للزواج ، و حماية الأطفال والشباب من مظاهر التفكك والانحراف ، و كذلك تطوير المناهج التعليمية بما يعزز قيم المسؤولية والانتماء والتكاف ، فالدولة القوية لا تُقاس فقط بقدرتها على إدارة الاقتصاد، بل بقدرتها على حماية الأسرة باعتبارها الحاضنة الأولى للقيم الوطنية والأخلاقية. ويواجهة الفقر والبطالة بمنطق التمكين لا بمنطق الإعالة ، في الفكر المحافظ لا باعتبارهما مجرد مشكلة اقتصادية ، بل باعتباره تحدياً اجتماعياً وأخلاقياً قد يؤدي إلى إضعاف الاستقرار المجتمعي إذا لم تتم معالجته بصورة شاملة.
لذلك فإن الرؤية المحافظة تدعو الى :
•دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
•تشجيع الاقتصاد المحلي والإنتاج الوطني.
•تعزيز التدريب المهني والتقني.
•تمكين الشباب من دخول سوق العمل.
•توجيه المساعدات الاجتماعية نحو التمكين والإنتاج.
فالكرامة الإنسانية ترتبط بالقدرة على العمل والإنتاج ، وليس فقط بالحصول على المساعدة.
ومن منظور محافظ، فإن الهوية الأردنية ليست مجرد انتماء قانوني، بل منظومة قيم تشكلت عبر التاريخ من خلال: الإرث العربي والإسلامي ، التجربة الهاشمية ، قيم العشيرة والتكافل الاجتماعي ، والولاء للدولة ومؤسساتها.
وانطلاقاً من إيمان الفكر المحافظ الأردني بأن التنمية الحقيقية تبدأ من الإنسان والأسرة والمجتمع المحلي ، فإن معالجة الفقر والبطالة لا تكون عبر سياسات الإعالة وحدها، بل من خلال تمكين المواطنين اقتصادياً وتعزيز قدرتهم على الإنتاج والمشاركة في بناء الاقتصاد الوطني. وفي هذا السياق يمكن للحزب أن يتبنى مجموعة من المشاريع العملية، منها:
1-مشروع صندوق التمكين والإنتاج المحلي ، إنشاء صندوق وطني بالشراكة بين القطاعين العام والخاص لتمويل المشاريع الصغيرة والأسر المنتجة والشباب الرياديين، خاصة في المحافظات والألوية الأقل حظاً، بفوائد ميسرة وإجراءات مبسطة.
2-مشروع "قرية منتجة في كل لواء" ، تحويل الميزة النسبية لكل منطقة إلى مشروع إنتاجي مستدام، سواء في الزراعة أو الصناعات الغذائية أو الحرف التقليدية أو السياحة المحلية، بما يوفر فرص عمل ويحد من الهجرة الداخلية نحو المدن الكبرى.
3-برنامج التدريب من أجل التشغيل ، ربط مخرجات التعليم والتدريب المهني باحتياجات سوق العمل، من خلال شراكات مع القطاع الخاص تضمن تأهيل الشباب وتوفير فرص تشغيل حقيقية لهم بعد انتهاء التدريب.
4-مشروع دعم الاقتصاد الأسري،تقديم حزم تمويل وإرشاد للأسر الراغبة في إنشاء مشاريع منزلية أو إنتاجية صغيرة، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي للأسرة ويخفض معدلات الفقر.
5-مبادرة التشغيل الوطني للشباب ، تقديم حوافز ضريبية وتأمينية للشركات التي توظف الشباب الأردنيين، وخاصة الخريجين الجدد والعاطلين عن العمل لفترات طويلة.
6-مشروع التنمية المحلية اللامركزية، تخصيص جزء من الموازنات التنموية للمجالس المحلية والبلدية لتمويل مشاريع إنتاجية وبنية تحتية كثيفة العمالة، بما يسهم في خلق فرص عمل مباشرة داخل المجتمعات المحلية.
7-برنامج الإحلال الوظيفي المدروس ، تأهيل الكوادر الأردنية لشغل الوظائف التي يمكن للأردنيين القيام بها في مختلف القطاعات، مع مراعاة احتياجات السوق ومتطلبات التنمية الاقتصادية.
8-مشروع بنك الأفكار الريادية ، إنشاء منصة وطنية لتبني أفكار الشباب المبتكرة وتحويلها إلى مشاريع اقتصادية قابلة للتنفيذ من خلال التمويل والإرشاد والمتابعة.
إن هذه المشاريع تنسجم مع الرؤية المحافظة التي ترى أن أفضل السياسات الاجتماعية هي تلك التي تنقل المواطن من دائرة الحاجة إلى دائرة الإنتاج ، ومن الاعتماد إلى المبادرة ، بما يحفظ كرامة الإنسان ويعزز تماسك الأسرة واستقرار المجتمع والدولة و القدرة على مقاومة التغيير أو الانغلاق أمام العصر، وإنما على إدارة التغيير بحكمة ، بحيث تبقى الأسرة متماسكة ، والهوية الوطنية راسخة، والدولة قوية، والمجتمع متضامناً ، فالتجربة الأردنية أثبتت أن الاستقرار لا يتحقق بالقوانين وحدها ، بل بمنظومة القيم التي تربط الأفراد بتاريخهم ومؤسساتهم ووطنهم
ومن هنا فإن الرؤية المحافظة الأردنية تسعى إلى بناء مجتمع حديث في أدواته، راسخ في هويته، متوازن في تطوره، وقادر على مواجهة تحديات المستقبل دون التفريط بالثوابت التي صنعت تماسكه واستمراره عبر العقود.
حمى الله الاردن من كل كريهة .
* حزب المحافظين الاردني - الأمين العام المساعد للثقافة الحزبية