عاشوراء .. بين استحضار الألم واستلهام الرسالة
عبدالنبي الشعلة
20-06-2026 12:23 PM
مع إطلالة العام الهجري الجديد، وإحياء المسلمين الشيعة في مختلف أنحاء العالم لذكرى عاشوراء، تبدو الحاجة قائمة إلى التوقف أمام هذه المناسبة التاريخية الكبرى، ليس من باب الجدل المذهبي أو إعادة قراءة أحداث الماضي بروح الخصومة، وإنما من باب البحث عن المعاني والدروس التي ما زالت قادرة على إلهام الإنسان المعاصر بعد أكثر من أربعة عشر قرنًا على وقوعها.
فالإمام الحسين بن علي، عليه السلام، سبط الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، شخصية تحظى بالاحترام والتقدير والمحبة والتبجيل لدى المسلمين جميعًا، بمختلف مذاهبهم ومدارسهم الفكرية والفقهية. أما الشيعة، على اختلاف تفرعاتهم، فيرون فيه إمامًا من أئمتهم ورمزًا من أعظم رموز الإسلام، ويحيون في الأيام الأولى من شهر محرم ذكرى استشهاده في كربلاء سنة 61 للهجرة.
ولا خلاف على أن ما جرى في كربلاء كان من أكثر الأحداث إيلامًا وتأثيرًا في التاريخ الإسلامي. فقد انتهت تلك المواجهة بمقتل الحسين وعدد من أهل بيته وأصحابه في ظروف مأساوية تركت أثرًا عميقًا في الوجدان الإسلامي عبر القرون. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ينبغي أن يبقى التركيز منصبًا على مشاهد الحزن والألم وحدها، أم أن الوقت قد حان لإعطاء مساحة أكبر للرسالة الفكرية والإنسانية التي جسدها ذلك الموقف؟
إن إحياء ذكرى عاشوراء أمر مشروع ومفهوم من زاوية الوفاء والارتباط العاطفي بشخصية الحسين ومكانته. غير أن بعض أشكال الإحياء، ولا سيما تلك التي تركز بصورة شبه كاملة على البعد التراجيدي للواقعة، قد طغت في أحيان كثيرة على المضامين الفكرية والأخلاقية والسياسية التي جعلت من كربلاء حدثًا خالدًا في الذاكرة الإنسانية.
فالذين لا يعرفون الكثير عن الإمام الحسين أو عن ظروف تلك المرحلة التاريخية قد لا يرون من عاشوراء سوى مشاهد البكاء والنحيب واللطم وغيرها من المظاهر التي يختلف حول بعضها حتى علماء الشيعة أنفسهم. بينما تكمن القيمة الحقيقية لكربلاء في المبادئ التي مثلتها، وفي الرسالة التي حملها الحسين وهو يواجه خيارًا بالغ القسوة بين الرضوخ لما يراه انحرافًا عن مبادئ الحكم والعدل، أو تحمل نتائج الرفض مهما كانت باهظة.
لقد كان الحسين في السابعة والخمسين من عمره عندما وجد نفسه أمام واقع سياسي جديد لم يكن مقتنعًا به. ورأى، كما رأى غيره من كبار الصحابة والتابعين وأهل بيت النبوة، أن من حقه أن يعبر عن موقفه وأن يرفض ما اعتبره خروجًا على النهج الذي تأسس عليه الحكم الإسلامي في عهد الخلفاء الراشدين.
ولم يكن الرجل يسعى إلى حرب أو إلى مغامرة عسكرية. فالمعطيات كلها كانت تشير إلى اختلال هائل في موازين القوة، وإلى أن المواجهة المسلحة لا يمكن أن تنتهي لصالحه. ومع ذلك، اختار ألا يمنح الشرعية لما لا يقتنع به، وأن يتمسك بموقفه حتى النهاية.
وهنا تكمن عظمة كربلاء.
فالقيمة الحقيقية لذلك الحدث لا تتمثل في عدد القتلى، ولا في حجم المأساة، بل في المعنى الذي جسده الحسين وأصحابه. لقد أراد أن يقول إن الإنسان قد يُهزم جسديًا لكنه يستطيع أن ينتصر أخلاقيًا، وأن القوة ليست دائمًا معيار الحق، وأن الكرامة قد تكون في بعض اللحظات أثمن من الحياة نفسها.
ولهذا السبب بقي اسم الحسين حاضرًا في الوجدان الإسلامي والإنساني حتى اليوم. فالتاريخ مليء بالمعارك والضحايا، لكن القليل منها فقط تحول إلى رمز خالد. وما منح كربلاء هذه المكانة الاستثنائية هو أنها تحولت من حادثة تاريخية إلى منظومة قيم، عنوانها الحرية والكرامة والثبات على المبدأ وتحمل المسؤولية الأخلاقية.
إن العالم المعاصر، الذي يعاني من الاستبداد والحروب والظلم والتهميش، أحوج ما يكون إلى استلهام هذه القيم. فالحسين لا ينبغي أن يبقى حكرًا على طائفة أو جماعة أو مدرسة فكرية بعينها، بل يجب أن يُقدَّم بوصفه رمزًا إنسانيًا عالميًا لكل من رفض الظلم وتمسك بكرامته ودفع ثمن موقفه بشجاعة.
ومن هنا فإن الدعوة ليست إلى التخلي عن إحياء عاشوراء، ولا إلى الانتقاص من مكانتها الدينية والوجدانية، بل إلى الارتقاء بها، وإبراز بعدها الإنساني والحضاري الأوسع. فكلما تقدم المعنى على المظهر، والرسالة على المشهد، والقيم على الطقوس، ازدادت عاشوراء قدرة على مخاطبة العالم كله، لا جمهورًا بعينه فقط.
لقد قُتل الحسين في كربلاء، لكن الفكرة التي حملها لم تُقتل. وانتصر السيف في معركة قصيرة، لكن المبدأ انتصر في معركة التاريخ الطويلة. ولهذا بقيت كربلاء حية في الضمير الإنساني، لا باعتبارها قصة مأساة فحسب، بل باعتبارها قصة إنسان رفض أن يتخلى عن قناعاته ومبادئه، فخسر حياته وربح الخلود.