العزاء والديوان والحزب .. أين يجتمع الأردنيون فعلاً؟
المحامي أسامة البيطار
20-06-2026 12:26 PM
في السنوات الأخيرة، شهد الأردن تحولاً مهماً في الحياة السياسية مع صدور التشريعات الناظمة للأحزاب وتشجيع العمل الحزبي باعتباره أحد أدوات المشاركة السياسية وصناعة القرار. وقد بذلت الأحزاب جهوداً كبيرة في بناء برامجها واستقطاب الأعضاء وتنظيم الفعاليات والندوات والمؤتمرات.
ومع ذلك، يبقى سؤال يستحق التأمل: أين يجتمع الأردنيون فعلاً؟
عند النظر إلى الواقع الاجتماعي، نجد أن أكثر التجمعات تأثيراً وحضوراً ليست بالضرورة تلك التي تُعقد في مقرات الأحزاب أو القاعات المغلقة، بل تلك التي تنشأ بصورة طبيعية في الدواوين والعزاءات والأفراح والمناسبات الاجتماعية المختلفة.
في مجلس عزاء واحد قد يجتمع وزير سابق مع نائب حالي، ورجل أعمال مع أكاديمي، وقاضٍ متقاعد مع إعلامي، وشباب في بداية حياتهم المهنية مع شخصيات عامة تمتلك خبرة طويلة في الشأن العام. وخلال ساعات قليلة تدور نقاشات في السياسة والاقتصاد والإدارة والتعليم والاستثمار، وتُطرح الأفكار، وتُحل الخلافات، وتُبنى علاقات جديدة.
هذه التجمعات لا تقوم على عضوية رسمية، ولا تحتاج إلى انتخابات داخلية أو لوائح تنظيمية، ومع ذلك فإن تأثيرها الاجتماعي قد يكون واسعاً وعميقاً. فهي تستند إلى عنصرين أساسيين يصعب إيجادهما في أي مؤسسة أخرى
وهي الثقة الاجتماعية والتواصل الإنساني المباشر.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية الأحزاب السياسية أو دورها الدستوري في الحياة العامة فالأحزاب تبقى الأداة المنظمة للمشاركة السياسية وصناعة البرامج والسياسات العامة. لكن الواقع يشير إلى أن المجتمع الأردني ما زال يجد في مؤسساته الاجتماعية التقليدية مساحة أوسع للحوار والتواصل وبناء العلاقات.
وربما لا يكون التحدي الحقيقي أمام الأحزاب هو كيفية منافسة هذه المؤسسات الاجتماعية، بل كيفية الاستفادة منها وفهم طبيعة المجتمع الذي تعمل داخله. فالمجتمعات لا تُبنى فقط بالنصوص والبرامج، وإنما أيضاً بالعلاقات الإنسانية والروابط الاجتماعية التي تتشكل عبر الزمن.
ولعل السؤال الأهم ليس
هل العزاء أو الديوان أقوى من الحزب؟
بل كيف يمكن للحياة السياسية أن تستفيد من القوة الاجتماعية الكامنة في هذه المجالس التي ما زالت، حتى اليوم، تشكل إحدى أهم ساحات الحوار والتواصل بين الأردنيين؟
ذلك سؤال يستحق التفكير