قراءة في تحويل السؤال إلى استجواب وفقا للدستور ونظام النواب
د. مهند صالح الطراونة
21-06-2026 01:52 PM
منح الدستور الأردني السلطة التشريعية حق الرقابة على أعمال السلطة التفيذية، ومن أهم مظاهرها ما يمتلكه النائب من أدوات رقابية تُفضي ممارستها إلى ضبط أعمال السلطة التنفيذية وتصرفاتها، ومنها أداتي السؤال والاستجواب، وقد كرس الدستور بشأنهما أن تنظم بموجب النظام الداخلي للمجلس، وذلك وفقا لنص المادة (83) منه والتي نصت على أن: "يضع كل من المجلسين أنظمة داخلية لضبط وتنظيم إجراءاته وتعرض هذه الأنظمة على الملك للتصديق".
وإن من أهم الإجراءات التي وضع لها الدستور إطاراً عاماً تاركاً تفاصيلها للنظام الداخلي هو تحويل السؤال إلى إستجواب، وذلك وفقا لنص المادة (96) من الدستور حيث نص على أن: "لكل عضو من أعضاء مجلسي الأعيان والنواب أن يوجه إلى الوزراء أسئلة واستجوابات حول أي أمر من الأمور العامة وفاقاً لما هو منصوص عليه فـي النظام الداخلي للمجلس الذي ينتمي إليه ذلك العضو، ولا يناقش إستجواب ما قبل مضي ثمانية أيام على وصوله إلى الوزير إلا إذا كانت الحالة مستعجلة ووافق الوزير على تقصير المدة المذكورة"
وواضح مما تقدم أن النص الدستوري قد مايز بين أداتي السؤال والاستجواب باعتبار أن كل منها له غرضه والاثر المترتب عليه ، وأسلوب صياغته ، ولما كان النص قد افرد للاستجواب حكما خاصا به بأن لا يناقش ما قبل مضي ثمانية أيام على وصوله إلى الوزير إلا إذا كانت الحالة مستعجلة ووافق الوزير على تقصير المدة المذكورة، فإن ذلك يعبر عن ضرورة إفراد الاستجواب بضمانات واجراءات خاصة ينفرد فيها عن السؤال البرلماني .
وعلى سبيل ماورد بشأن هاتين الأداتيين من أحكام تضمن نص المادة (123) من النظام الداخلي لمجلس النواب ، تحديد ماهية السؤال حيث نص على أن " السؤال هو استفهام العضو من رئيس الوزراء أو الوزراء عن أمر يجهله في شان من الشؤون التي تدخل في اختصاصاتهم أو رغبته في التحقق من حصول واقعة وصل علمها إليه ، أو استعالمه عن نية الحكومة في أمر من الأمور"،ومن ثم تضمنت نصوص المواد من (124) إلى (130) الشروط الشكلية والموضوعية للسؤال .
وفيما يخص الاستجواب نصت المادة (131) من ذات النظام ماهية " الاستجواب " حيث نص على أن : " الأسـتجواب هـو محاسـبة الـوزراء أو أحدهـم علـى تصـرف لـه فـي شـأن مـن الشـؤون العامـة " ومن ثم تضمنت المواد من( 132) إلى (135) الأحكام الموضوعية والشكلية للاستجوابات .
ومما تقدم يتضح التباين الواضح بين أداتي السؤال والاستجواب ،حيث يعتبر السؤال إداة استيضاح أو استيثاق عن شأن يجهله النائب ويريد الاستفسارعنه من رئيس الوزراء أو الوزراء كل بحسب اختصاصه ، في حين يعتبر الاستجواب الوسيلة الرقابية الأمضى والاقوى والاشد ضرواة في مواجهة الحكومة باعتبار انها تحمل في طياتها إتهام في إهمال أو تقصير ،ولعل من أهم من أوجه التباين بين هاتين الأداتين هو الأثر المترتب على كل منهما، أن السؤال كوسيلة رقابية جاء محدود الأثر بحيث لا يترتب عليه مناقشة موسعة للأطراف إلا في حدود النظام الداخلي ، ومن ثم لا يفضي السؤال إلى مسألة طرح الثقة، في حين يفضي الاستجواب إلى طرح الثقة بالوزارة او الوزير المعني ، في حال لم يقتنع المستجوب من رد الوزير ، وييجوز له لصاحب الاستجواب أو غيره من الاعضاء طرح الثقة ، وذلك اعمالاً لنص المادة ( 133/ و) من النظام الداخلي حيث نصت على أن : " للمستجوب إذا لم يقتنع برد الوزير ، أن يبين أسباب عدم اقتناعه وله ولغيره من النواب طرح الثقة بالوزارة أو الوزير مع مراعاة أحكام المادتين (53) و (54) من الدستور.
ولما كانت الرقابة البرلمانية لا تستقيم مقوماتها إلا إذا اقترنت بوسائل فعالة تكفل للسلطة التشريعية الوقوف على حقيقة تصرفات السلطة التنفيذية، وكان السؤال البرلماني يمثل أدنى درجات هذه الرقابة وأيسرها، بينما يعد الاستجواب صورتها الأشد أثراً والأعمق مساءلة، فإن النظام الداخلي إذ أجاز بموجب المادة (130) من تحويل السؤال إلى استجواب، حيث نصت على أن : " أ- يجوز تحويل السؤال إلى استجواب في الجلسة التي يناقش فيها السؤال.ب- يجوز تحويل السؤال إلى استجواب إذا لم تجب الحكومة خلال مدة شهر من ورود السؤال إليها." وهو في ذلك يكون قد أفصح عن إرادته في إرساء مبدأ التدرج الرقابي، بحيث لا يكون امتناع الحكومة عن الإجابة أو عدم كفاية ردها سبباً في تعطيل الوظيفة الرقابية لمجلس النواب، بل موجباً للانتقال إلى أداة رقابية أكثر نفاذاً وأشد إلزاماً في مجال المساءلة السياسية. وبذلك تغدو سلطة تحويل السؤال إلى استجواب ضمانة دستورية لحماية حق النائب في الرقابة، ووسيلة لصون مبدأ المسؤولية الوزارية أمام مجلس النواب.
وتجدر الاشارة أنه وبالرجوع للدلالات الدستورية التي تضمنها نص المادة (96) من الدستور وجد ان الدستور عندما مايز بشكل صريح وواضح هاتين الاداتين ،ومن ثم فوض النظام الداخلي في تحديد إجراءات كل منها ، فإن الغاية من ذلك هو ممايزة هاتين الاداتين بشكل أكثر، وخاصة فيما يخص الاستجواب نظرا لخطورته وطبيعته حيث استقرت النظم الدستورية على إحاطته بجملة من الضمانات والإجراءات تحول دون الانحراف به عن غايته المتمثلة في تحقيق رقابة فعالة على أداء الحكومة واجهزتها المختلفة ،وتتمثل تلكم الضمانات على سبيل المثال في جملة من الشروط الشكلية والموضعية يتعين توافرها في الاستجواب قبل تقديمه فضلا عما يتعلق بإجراءات مناقشته واتخاذ القرار بشأنه ، الأمر الذي يتطلب مراجعة النصوص ذات العلاقة بموضوع تحويل السؤال إلى استجواب ومنها نص المادة (130) والتي تضمنت جوازية تحويل السؤال إلى استجواب في الجلسة التي يناقش فيها السؤال ، وتجيز كذلك تحويل لسـؤال إلـى اسـتجواب إذا لـم تجـب الحكومـة خلال مـدة شـهر مـن ورود السـؤال إليهـا .
وبالرغم من ان اجازة تحويل السؤال الى استجواب بذات الجلسة التي يناقش فيها السؤال لا يعني بالضرورة ان الاستجواب قد اكتملت شروطة ، إلا أننني ارى ان في تضمين النص المزيد من الضمانات والاجراءات التي تميز بين هاتين الاداتين يكون فيها النص اكثر احكاما واكثر اتساقا مع النص الدستوري ، باعتبار ان الصيغة الذي يفرغ فيه الاستجواب محتواه صيغة اتهام تختلف تماما عن صيغة السؤال ، وبالتلي يتلزم أن الاستجواب بشكل دقيق ومباشر للمعني ،وفي المقابل ارى ان يتم التحقق من جدية الاستجواب ومن استكمال شروطة الشكلية والموضوعية ، من قبل هيئة مكتب المجلس، ومن ثم يطرح قرالرها التصويت عليه من قبل المجلس والذي بدوره يحيله إلى اللجنة المختصة لتقديم تقريرها ، من خلال مدد تنظييمة واضحة وقصيرة نسبيا ، ومن ثم يطرح للتصويت عليه من المجلس باغلبية يحدددها النظام الداخلي .
واخيرا ان افراد مثل هذا النوع الاجراءات والضوابط على أداة الاستجواب لا يعني اضعاف هذه الاداة بل تقويتها وتمييزها عن اداة السؤال، ويكون فيها النص اتساقا مع روح الدستور الذي مايز بين هاتين الاداتين .
[email protected]