التبني في المسيحية .. بين الحقيقة اللاهوتية والقراءة القانونية
د. عبير الرحباني
21-06-2026 05:25 PM
أثار الحديث عن إدراج التبني ضمن مسائل الأحوال الشخصية للطوائف المسيحية جدلاً واسعاً.. وصدرت آراء قانونية تعارض هذا التوجه انطلاقاً من رؤية تعتبر أن التبني ليس جزءاً من العقيدة المسيحية..
وقد نشره معالي الوزير الأسبق نوفان العجارمة.. مقالا بعنوان: (قراءة في مشروع القانون المعدل لقانون مجالس الطوائف المسيحية) والذي تناول فيه قضيتي التبني والإرث في الأحوال الشخصية للمسيحيين.. وذهب إلى إعتبار التبني مفهوماً لا يدخل في العقيدة المسيحية ولا في نطاق الأحوال الشخصية للطوائف المسيحية..
والرد الذي سأقدمه هنا لمعالي الوزير الأسبق العجارمة.. لا يهدف إلى الجدل أو الخصومة وإنما إلى الدفاع عن حقيقة لاهوتية وإنسانية مفادها أن المسيحية كانت.. وما تزال عقيدة المحبة والاحتضان والرحمة.. وأن رعاية الطفل اليتيم واحتضانه داخل أسرة محبة ليست خروجاً على العقيدة.. بل تعبيراً أصيلاً عن جوهرها..
لذلك أجد أنه من واجبي.. ومن منطلق قانوني ولاهوتي وروحاني.. أن أوضح بعض الحقائق التي غابت عن هذا الطرح.. وأن أقدم قراءة تستند إلى نصوص الكتاب المقدس.. وإلى المبادئ الدستورية التي كفلت للطوائف المسيحية حقها في تنظيم أحوالها الشخصية وفق عقيدتها وخصوصيتها الدينية..
فالقراءة التي قدمها الوزير الأسبق العجارمة في مقاله المنشور .. مع تقديرنا لأصحابها.. تغفل جانباً جوهرياً من اللاهوت المسيحي.. وتتجاهل أن المسيحية لم تنظر إلى التبني بوصفه مجرد إجراء قانوني.. بل إعتبرته رسالة محبة ورحمة وتجسيداً عملياً لعلاقة الإنسان بالله..
والسؤال الحقيقي ليس: (هل التبني مفهوم دخيل على المسيحية؟) بل: (كيف يمكن لعقيدة تدعو إلى احتضان اليتيم ومحبته أن تُتهم بأن التبني غريب عن رسالته؟!!
وأبدأ بتساؤلك الأول:
"هل التبني يدخل ضمن العقيدة المسيحية؟"
بحسب اللاهوت المسيحي نعم.. فالتبني ليس غريباً عن العقيدة المسيحية.. بل هو أحد أهم مفاهيمها الروحية.. حيث يقول الكتاب المقدس: "إذ سبق فعيّننا للتبني بيسوع المسيح لنفسه."(أفسس 1: 5)
ويقول ايضا: "بل أخذتم روح التبني الذي به نصرخ يا أبا الآب." (رومية 8: 15)
فان الله نفسه استخدم مفهوم التبني ليشرح علاقة الإنسان به.. فكيف يقال إن التبني ليس من صميم الفكر المسيحي؟
ثانياً: تساؤلك: "لو كان التبني جزءاً من الدين المسيحي فلماذا لم يُنظم منذ تأسيس الدولة؟"
قانونيا: فان غياب التنظيم التشريعي لا يعني غياب الحق.. فهناك عشرات الحقوق والحريات لم تنظمها القوانين منذ تأسيس الدولة ثم نظمت لاحقاً بسبب تطور المجتمع وحاجاته.. فالقانون لا يخلق العقيدة.. بل ينظم كيفية ممارستها..
ثالثاً: قولك: "الأحوال الشخصية للمسيحيين هي نفسها للمسلمين"
فبحسب الدستور الأردني.
لو كانت الأحوال الشخصية للمسيحيين مطابقة للأحوال الشخصية للمسلمين.. لما نص الدستور الأردني على وجود مجالس طوائف مسيحية مستقلة أصلاً.. فوجود القضاء الكنسي يعني وجود خصوصية دينية وتشريعية معترف بها دستورياً.. وإلا لكانت جميع قضايا المسيحيين من اختصاص المحاكم الشرعية.. وهو ما لم يأخذ به الدستور الأردني..
رابعاً: قولك: "هل يفتح التبني الباب لمفاهيم غربية أخرى؟"
قانونيا.. فان هذا استدلال قائم على التخوف وليس على القانون.. فكل تشريع يخضع للدستور وللنظام العام الأردني.. ولا يجوز رفض حق مشروع خوفاً من احتمال إساءة استخدامه مستقبلاً.. فالزواج نفسه قد يُساء استخدامه. لكننا لا نلغيه.. بل ننظمه..
خامساً: سؤالك: "هل يجوز تبني طفل معلوم النسب؟"
إن هذا أمر يحدده القانون..
أما من الناحية العقيدة المسيحية فإن المحبة لا تسأل أولاً عن النسب.. بل عن مصلحة الطفل وكرامته.. فالمسيح نفسه قال: "دعوا الأولاد يأتون إليّ ولا تمنعوهم." (متى 19: 14).
سادساً: سؤالك: "هل يجوز تبني طفل غير أردني؟"
إن الجنسية مسألة قانونية لا لاهوتية.. والتبني لا يمنح الجنسية تلقائياً إلا إذا نص القانون على ذلك.. وهذا لا يشكل سبباً لرفض المبدأ نفسه..
سابعاً: سؤالك: "هل يحق للمتبنى الإرث؟"
قانونيا.. فان الإرث ليس مشكلة في ذاته.. فالمشرع يستطيع تحديد آثار التبني بوضوح.. كما تفعل مختلف الأنظمة القانونية.. والأصل أن الطفل الذي عاش داخل الأسرة واستمد منها الرعاية والحماية لا يجوز أن يُترك من دون ضمانات قانونية تحفظ كرامته..
ثامنا: سؤالك: "هل يجوز الرجوع عن التبني؟"
روحانيا بحسب الكتاب المقدس.. فان المسيحية لا تنظر إلى الأسرة المسيحية كعقد مؤقت.. فالأسرة عهد محبة ومسؤولية.. والكتاب المقدس يقدم لنا صورة جميلة عن أمان العلاقة مع الله:
"لم تأخذوا روح العبودية أيضاً للخوف، بل أخذتم روح التبني." (رومية 8: 15)
فالتبني في روحه المسيحية ليس علاقة مؤقتة قابلة للإلغاء بحسب المزاج..
تاسعاً: قولك: "التبني ليس من الأحوال الشخصية"
قانونيا ولاهوتيا.. فإذا كانت الأحوال الشخصية هي تنظيم الأسرة وما ينشأ عنها من حقوق والتزامات.. فكيف يكون احتضان طفل داخل أسرة. وتحديد حقوقه وواجباته.. خارج نطاق الأحوال الشخصية؟!!!
بل إن التبني يتعلق مباشرة بتكوين الأسرة واستقرارها ولذلك فهو أقرب مسائل الأحوال الشخصية إلى جوهر الأسرة نفسها..
فقد قدم الكتاب المقدس مفهوم التبني بصورة واضحة وصريحة.. حيث أن بولس الرسول يقول:
"إذ سبق فعيّننا للتبنّي بيسوع المسيح لنفسه حسب مسرة مشيئته." (أفسس 1: 5)
ويقول أيضاً:
"بل أخذتم روح التبنّي الذي به نصرخ: يا أبا الآب." (رومية 8: 15)
فإذا كان الله نفسه في الكتاب المقدس يقدم علاقته بالمؤمنين على أنها علاقة تبنٍ روحي.. فكيف يصبح التبني غريباً عن الفكر المسيحي؟!!
فالكتاب المقدس لا يحرّم التبني ولا يرفضه.. بل على العكس يستخدم مفهوم التبني بصورة إيجابية جدا.. سواء بالمعنى الروحي أو من خلال أمثلة عملية لرعاية الأطفال وتربيتهم كأبناء.. حيث يقدم الكتاب المقدس أمثلة واقعية للتبني والرعاية الأسرية.. فبحسب سفر الخروج من العهد القديم..
فعندما وُجد الطفل موسى في النيل.. فقد تبنت إبنة فرعون النبي موسى.. بحسب سفر الخروج
"فلما كبر الولد أتت به إلى ابنة فرعون فصار لها ابناً." (الخروج 2: 10)
فالنص هنا واضح بأنه صار لها ابنا على الرغم من أنه ليس ابنها البيولوجي..
كما أن مردخاي اتخذ أستير ابنة له بعد وفاة والديها:
"وعند موت أبيها وأمها اتخذها مردخاي لنفسه ابنة." (أستير 2: 7)
وفي العهد الجديد من الكتاب المقدس فإن يوسف النجار لم يكن الأب الجسدي للسيد المسيح.. لكنه قام بدور الأب الكامل في التربية والحماية والرعاية.. والكتاب المقدس يذكره أمام الناس كأب ليسوع المسيح:
"أَلَيْسَ هذَا ابْنَ النَّجَّارِ؟"
(متى 13: 55)
كما أن الكتاب المقدس يشدد مرارا على رعاية اليتيم والإهتمام به:
"دِينٌ طَاهِرٌ وَنَقِيٌّ عِنْدَ اللهِ الآبِ هُوَ هذَا: افْتِقَادُ الْيَتَامَى وَالأَرَامِلِ فِي ضِيقَتِهِمْ"(يعقوب 1: 27)
وايضا بحسب أشعيا النبي "أَنْصِفُوا الْيَتِيمَ"(إشعياء 1: 17)
"أَبُو الْيَتَامَى وَقَاضِي الأَرَامِلِ اللهُ"(مزمور 68: 5)
وهذه النصوص ليست روايات عابرة.. بل شواهد على أن إحتضان الأطفال المسيحيين وتربيتهم داخل أسرة مسيحية.. هو عمل يتفق مع روح الكتاب المقدس وقيمه..
فلا توجد آية واحدة في الكتاب المقدس تحرّم التبني أو تعتبره خطية.. بل نجد بأن إستخدام التبني يعتبر كصورة للخلاص الإلهي..
أما قول العجارمة بأن (التبني ليس من الأحوال الشخصية لأنه غير موجود في التشريع الإسلامي).. فهو إستنتاج لا يستقيم قانونياً.. لأن الدستور الأردني إعترف للطوائف المسيحية بخصوصيتها الدينية والأحوال الشخصية الخاصة بها.. ولم يشترط أن تكون مطابقة لأحكام الأحوال الشخصية للمسلمين.. وإلا لما كان هناك معنى لوجود تشريعات كنسية مستقلة أصلاً..
فحماية الطفل اليتيم أو المحتاج إلى أسرة ليست خروجاً على النظام العام.. بل هي من أسمى مقاصد العدالة والرحمة بحسب الفكر المسيحي المنبثق من الكتاب المقدس..
والجدير ذكره هنا بأن التشريعات الحديثة في العالم لا تنظر إلى التبني باعتباره تهديداً للأسرة.. بل وسيلة لحماية الطفل ومنحه حقه في الإنتماء والرعاية والأمان..
والخوف من إساءة إستعمال الحق لا يكون بإلغاء الحق ذاته.. وإنما بوضع الضوابط القانونية التي تنظمه وتحقق المصلحة الفضلى للطفل.. وهذا ما تفعله جميع التشريعات الرشيدة.
فالمسيحية لم تبنِ رسالتها على الدم وحده.. بل على المحبة.. ولم تجعل رابطة الأسرة محصورة بالولادة البيولوجية.. بل وسعتها لتشمل كل إنسان يحتاج إلى بيت وقلب يحتضنه..
فالطفل الذي يجد أماً وأباً يحبانه ليس خطراً على المجتمع.. بل هو ثمرة للرحمة التي أرادها الله للبشر..
ولهذا فإن التبني.. متى نظم بقانون عادل يحفظ الأنساب والحقوق ويصون مصلحة الطفل.. لا يمثل خروجاً على العقيدة المسيحية ولا على القيم الإنسانية.. بل هو تجسيد حي لقول الكتاب المقدس:
"الديانة الطاهرة النقية عند الله الآب هي هذه: إفتقاد اليتامى والأرامل في ضيقتهم." (يعقوب 1: 27)
فالوزير الأسبق العجارمة قد تعامل مع التبني بوصفه إشكالية قانونية مجردة.. بينما تنظر إليه المسيحية بوصفه رسالة رحمة..
فالطفل ليس ملفاً قانونياً.. بل إنسان له حق في الحب والانتماء والأسرة..
وإذا كان الله.. بحسب الكتاب المقدس.. قد قبل البشر أبناء له بالتبني الروحي.. فكيف يُستنكر على الإنسان أن يفتح بيته وقلبه لطفل محتاج إلى عائلة؟!!
"إذ سبق فعيّننا للتبني بيسوع المسيح لنفسه." (أفسس 1: 5)
فمن يفتح بيته من المسيحيين لطفل محروم.. لا يهدم الأسرة.. بل يصنع أسرة.. ومن يمنح يتيماً اسماً ومحبة ومستقبلاً.. إنما يترجم على الأرض قلب الله الذي أحب البشر أولاً وتبناهم أبناءً له بالمحبة والنعمة..