هل أرهقنا النشامى أكثر مما دعمناهم؟
د. رائد قاقيش
23-06-2026 08:22 PM
ربما لم يخسر النشامى أمام الجزائر فقط… بل خسروا أيضاً أمام ضغط التوقعات
في الأيام الماضية استمعت، كما استمع غيري، إلى عشرات التحليلات التي تناولت خسارة النشامى أمام الجزائر. البعض تحدث عن التشكيلة، وآخرون عن التبديلات، وغيرهم عن الأخطاء الفردية أو الجماعية. لكن القضية أعمق من ذلك بكثير.
منذ سنوات، لم يكن المنتخب الأردني ضمن حسابات الكبار. أما اليوم، فقد أصبح منافساً حقيقياً، وأصبح الحديث عن كأس العالم أمراً واقعياً لا حلماً بعيد المنال. وهنا تحديداً تبدأ المشكلة التي تواجه كل فريق صاعد.
فالنجاح نفسه يخلق ضغوطاً جديدة.
في علم النفس الرياضي توجد ظاهرة معروفة تسمى “الاختناق تحت الضغط” (Choking Under Pressure). وقد بينت الباحثة الأميركية سيان بيلوك أن الرياضيين المتميزين قد يتراجع أداؤهم عندما ترتفع التوقعات إلى مستويات تجعل الخوف من الخطأ أكبر من الرغبة في النجاح. أما تيموثي غالواي، صاحب كتاب The Inner Game، فيرى أن الرياضي يقدم أفضل مستوياته عندما يعمل بعفوية وثقة، بينما يبدأ أداؤه بالتراجع عندما يتحول تركيزه من اللعب إلى التفكير المستمر في النتائج وردود الأفعال.
ولهذا السبب نرى أعظم اللاعبين في العالم يضيعون فرصاً وركلات جزاء ومباريات حاسمة. ليس لأنهم فقدوا موهبتهم، بل لأن الضغط النفسي جزء من اللعبة نفسها. فالضغط لا يختبر المهارة فقط، بل يختبر القدرة على استخدام المهارة تحت الضغط. وإذا كان كبار النجوم يتأثرون أحياناً بثقل التوقعات، فكيف بلاعبين شباب وجدوا أنفسهم فجأة يحملون حلم وطن كامل؟
لقد تحول المنتخب الوطني خلال الأشهر الماضية إلى مشروع حلم أردني كبير. الجماهير كانت رائعة، والإعلام كان متابعاً، والمسؤولون كانوا داعمين، لكن حجم التوقعات أصبح هائلاً. أصبح الجميع ينتظر الفوز في كل مباراة، وأصبح كل تعثر يُنظر إليه وكأنه أزمة، رغم أن المنتخبات الكبرى نفسها تتعثر باستمرار.
والمفارقة أن هذه الظاهرة لا تقتصر على الرياضة. فالطبيب والكاتب الأميركي أتول غواندي تحدث مراراً عن مخاطر الإفراط في التدخل والمراقبة، حيث قد تصبح كثرة التعليمات والمتابعات والآراء جزءاً من المشكلة نفسها. وربما ينطبق الأمر بدرجة ما على ما أحاط بالنشامى خلال الأشهر الماضية من متابعة يومية وتوقعات متصاعدة وتحليلات لا تتوقف.
ففي كثير من الأحيان لا يخسر اللاعب معركته أمام المنافس، بل يخسرها أمام الخوف من الخطأ أو ثقل التوقعات التي يحملها على كتفيه.
وربما كان هذا أحد أهم التحديات التي واجهت النشامى في المرحلة الأخيرة.
ففي بعض اللحظات بدا اللاعبون وكأنهم يفكرون أكثر مما يلعبون. وبدا الخوف من الخطأ أكبر من الرغبة في الإبداع. وهذه ليست علامة ضعف، بل مرحلة طبيعية تمر بها المنتخبات الصاعدة عندما تنتقل من مرحلة الحلم إلى مرحلة المنافسة مع الكبار.
وهذا لا ينطبق على اللاعبين فقط، بل على المدربين أيضاً. فالمدرب جمال سلامي وجد نفسه أمام مسؤولية تاريخية وتوقعات جماهيرية وإعلامية ضخمة. وفي مثل هذه الظروف تصبح القرارات أكثر صعوبة، ويصبح الضغط النفسي جزءاً من المباراة قبل أن تبدأ.
والحقيقة أن ما يواجهه النشامى اليوم هو ثمن النجاح نفسه. فبعد سنوات طويلة كان فيها المنتخب يسعى إلى إثبات وجوده، أصبح اليوم مطالباً بالفوز دائماً. وهذه مرحلة تمر بها جميع المنتخبات الكبيرة. الفرق أن الجماهير الواعية لا تقيس نجاح مشروع رياضي بمباراة واحدة، بل بمسار كامل من التطور والإنجاز.
ومع ذلك، فإن الصورة الأكبر ما زالت إيجابية.
فالأردن لم يخسر مشروعه الكروي، ولم يخسر مستقبله الرياضي، بل خسر مباراة في مسيرة صعود استثنائية. وما تحقق خلال السنوات الماضية لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة رؤية وطنية ودعم مستمر من القيادة الهاشمية، وعلى رأسها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وسمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، وسمو الأمير علي بن الحسين، إلى جانب الاتحاد الأردني لكرة القدم والجهاز الفني والإداري واللاعبين والجماهير.
لقد نجح الأردن في بناء منتخب يحظى باحترام القارة والعالم، وهذه بحد ذاتها خطوة تاريخية.
أما الخطوة التالية فهي الأصعب: كيف نحافظ على النجاح؟ وكيف نحول الضغط إلى دافع؟ وكيف نسمح للاعبينا باللعب بثقة دون أن نثقل كواهلهم بتوقعات تفوق أعمارهم وتجاربهم؟
النشامى اليوم لا يحتاجون إلى مزيد من النقد، بل إلى مزيد من الثقة. ولا يحتاجون إلى من يذكرهم بالخسارة، بل إلى من يذكرهم بحجم الإنجاز الذي حققوه.
فالفرق الكبيرة لا تُقاس بعدد المباريات التي تفوز بها، بل بقدرتها على النهوض بعد الخسارة.
وربما خسرنا مباراة أمام الجزائر، لكننا كسبنا جيلاً يؤمن أنه قادر على الوصول إلى كأس العالم. والأهم من ذلك أننا تجاوزنا مرحلة الحلم، ودخلنا مرحلة المنافسة الحقيقية. وما يحتاجه هذا الجيل اليوم ليس الضغط، بل الصبر والثقة والدعم الواعي.
فبعض الفرق تخسر بسبب ضعف إمكاناتها، لكن هناك فرقاً تخسر أحياناً لأنها تحمل على أكتافها أحلام وطن كامل.