facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




ودّع النشامى المونديال .. لكن الأردن بقي واقفاً على قمّة الحلم


بهاء الشنتير
23-06-2026 08:25 PM

ليست كل الهزائم انكساراً، وليست كل النهايات نهاية.

في مساءٍ حبس فيه الأردنيون أنفاسهم، لم يكن المنتخب الأردني يخوض مباراة كرة قدم فحسب، بل كان يحمل على كتفيه حكاية وطنٍ بأكمله، وطنٍ انتظر طويلاً حتى يرى رايته ترفرف في سماء كأس العالم، وتُروى قصته بين الأمم الكبرى.

ومع صافرة الوداع، خسر النشامى فرصة العبور إلى الدور التالي، لكنهم لم يخسروا مكانتهم في قلوب الأردنيين، ولم يخسر الأردن شيئاً من هيبته أو فخره. فالأوطان العظيمة لا تُقاس بنتيجة مباراة، بل بما تتركه من أثرٍ في الذاكرة، وما تزرعه من إيمانٍ في وجدان أبنائها.

لقد دخل الأردن المونديال من بوابة التاريخ، لا من نافذة المصادفة. دخل وهو يحمل إرث وطنٍ بناه الهاشميون على قيم العزيمة والكرامة والكبرياء، وطنٍ تعلّم أن الطريق إلى القمم لا يُقاس بسرعة الوصول، بل بقدرة السائرين على مواصلة المسير مهما اشتدت الرياح.

وحين ارتدى النشامى القميص الوطني، لم يكونوا أحد عشر لاعباً على المستطيل الأخضر، بل كانوا أحد عشر علماً أردنياً يتحرك فوق العشب، وأحد عشر نبضاً من قلوب الملايين الذين تابعوا كل خطوة وكل تمريرة وكل حلم.

نعم... تألم الأردنيون، وكيف لا يتألم شعبٌ أحب هذا الحلم حتى صار جزءاً من روحه؟ لكن خلف الحزن كان هناك شعورٌ أكبر وأعمق وأبقى؛ شعور الفخر. الفخر بأن الأردن، ذلك الوطن الذي لا يُقاس بمساحته بل بقامة شعبه، وقف بين عمالقة الكرة العالمية مرفوع الرأس، وأن اسمه لم يعد مجرد اسمٍ على خارطة العالم، بل قصة إرادةٍ وصلت إلى أبعد ملاعب الأرض.

ولعلّ ما لفت أنظار العالم في هذه المشاركة لم يكن أداء النشامى داخل الملعب فحسب، بل ذلك المشهد الأردني الفريد خارج خطوطه. فقد شاهد الملايين شعباً يلتف حول وطنه كما تلتف الأغصان حول جذع الشجرة، ورأوا جماهير لا تشجع منتخباً فقط، بل تحتفي برايةٍ وتاريخٍ وهوية.

شاهد العالم الأردنيين وهم يحملون وطنهم في قلوبهم قبل أن يحملوا أعلامه على أكتافهم، وشاهد كيف تحولت المدرجات والساحات والشوارع إلى لوحة وطنية واحدة لا مكان فيها إلا للأردن.

وربما كان المشهد الأعمق أثراً أن العالم رأى العلاقة الاستثنائية التي تجمع الأردنيين بقيادتهم الهاشمية؛ علاقة لم تصنعها المناسبات العابرة، بل صنعتها عقود من الثقة والانتماء والمحبة المتبادلة. فحين كان الوطن حاضراً، كان الهاشميون في قلب المشهد، وحين كان النشامى يقاتلون من أجل الحلم، كان الأردنيون يرون في دعم قيادتهم سنداً معنوياً يعكس وحدة الدولة والشعب خلف راية واحدة.

ولم يكن ذلك الدعم مجرد موقفٍ عابر، بل كان امتداداً لنهجٍ وطنيٍ راسخ. فقد عبّر جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين عن ثقته وفخره بأبناء الوطن وهم يخطّون أولى صفحات المجد المونديالي، مؤكداً أن النشامى يحملون آمال الأردنيين جميعاً، وأنهم قادرون بروحهم وعزيمتهم على رفع اسم الأردن عالياً بين الأمم. فكانت كلمات جلالته رسالة ثقةٍ لقلب كل لاعب، وفخراً سكن قلب كل أردني تابع هذه الرحلة التاريخية.

وفي لحظة اختلطت فيها المشاعر، جاءت كلمات سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، حين قال:
"نحبكم ونقدر مجهودكم ونعلم مدى حرصكم على إسعاد الأردنيين."

كانت كلماتٍ أكبر من رسالة دعم، وأعمق من تعليق على مباراة؛ كانت وسام شرفٍ على صدور رجالٍ حملوا اسم الأردن إلى العالم، وعادوا محمّلين بمحبة شعبٍ كامل واحترام أمةٍ كاملة.

لقد شاهد العالم دولةً صغيرة في الجغرافيا، كبيرةً في معنى الانتماء، ورأى شعباً لا يجتمع حول الفوز فقط، بل يجتمع حول وطنه في كل الظروف، ويزداد تماسكاً كلما اشتدت اللحظات صعوبة.

وهنا يكمن سر الأردن؛ فالحكاية لم تكن حكاية منتخبٍ يشارك في كأس العالم، بل حكاية وطنٍ كاملٍ ظهر أمام العالم كما هو دائماً: متماسكاً، معتزاً بقيادته، مؤمناً برسالته، ومخلصاً لرايته التي لا تنحني إلا لخالقها.

اليوم قد يغادر النشامى البطولة، لكنهم لا يغادرون التاريخ. فالتاريخ لا يتذكر فقط من رفع الكأس، بل يتذكر أيضاً من رفع اسم وطنه عالياً.

وسيبقى صيف 2026 شاهداً على أن الأردن لم يكن ضيفاً في كأس العالم، بل كان حكايةً كتبتها الإرادة، وحملتها الجماهير، واحتضنتها القيادة الهاشمية، وباركها الوطن.
وحين يعود المؤرخون لكتابة قصة الأردن في مونديال 2026، فلن يكتبوا فقط عن أهدافٍ ومباريات، بل سيكتبون عن وطنٍ وقف خلف حلمه حتى اللحظة الأخيرة، وعن ملكٍ آمن بأبنائه، وولي عهدٍ احتضن إنجازهم، وشعبٍ كتب أروع دروس الانتماء والوفاء.

أما الحلم الأردني فلا يُدفن عند صافرة، ولا ينتهي عند خسارة، ولا يغادر مع بطولة، لأنه أصبح جزءاً من هوية وطنٍ تعوّد أن يحوّل المستحيل إلى موعد، والحلم إلى حقيقة، والراية الأردنية إلى شمسٍ لا تغيب.

عاش الأردن عزيزاً شامخاً، وعاش النشامى عنواناً للفخر، وبقيت الراية التي حملوها أعلى من نتيجة، وأبقى من بطولة، وأعظم من لحظة عابرة في سجل كرة القدم.
فإذا كان المونديال قد شهد خروج منتخبٍ من منافساته، فإنه شهد في المقابل ولادة قصةٍ وطنية ستبقى تُروى للأجيال؛ قصة شعبٍ أحب وطنه حتى آخر نبضة تشجيع، وأحب قيادته حتى آخر لحظة فخر، وأحب رايته حتى جعلها ترفرف في القلوب قبل أن ترفرف في الملاعب.

وهكذا، لم يغادر الأردن كأس العالم خاسراً، بل غادره أكثر حضوراً في الوجدان، وأكثر رسوخاً في الذاكرة، وأكثر إشراقاً في عيون أبنائه.

ففي دموع الحزن كان هناك بحرٌ من الكبرياء، وفي وداع البطولة كانت بداية حكايةٍ أكبر، أما الأردن فلم يغادر المونديال عند صافرة النهاية، بل بقي هناك... في ذاكرة العالم، وفي قلب التاريخ، وعلى قمّة الحلم.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :