facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




معيار الدولة .. من إدارة الوظائف إلى إدارة الكفاءات


فيصل تايه
24-06-2026 09:52 AM

بعد أن هدأت أصداء قرار مجلس الوزراء اعتماد المرحلة الأولى من أطر الكفايات الفنية للوظائف الحكومية المشتركة، يبدو أن الوقت أصبح أكثر ملاءمة لقراءة ما وراء القرار، بعيداً عن العناوين الخبرية وردود الفعل الأولية. فالقيمة الحقيقية لبعض القرارات لا تكمن في لحظة إعلانها، بل في التحولات التي تؤسس لها والاتجاهات التي ترسمها لمستقبل الدولة ومؤسساتها.

ومن هذه الزاوية، فإن القرار لا يمكن اختزاله في كونه إجراءً إدارياً يتعلق بتحديث توصيف الوظائف أو تطوير أدوات الموارد البشرية، بل يمثل مؤشراً واضحاً على انتقال الدولة إلى مرحلة جديدة في إدارة رأس مالها البشري، عنوانها الكفاءة والإنجاز، وجوهرها بناء جهاز إداري أكثر قدرة على الاستجابة لتحديات المستقبل ومتطلبات التنمية والتحديث.

ولعل السؤال الأهم هنا ليس ماذا قررت الحكومة، بل لماذا اختارت هذا المسار تحديداً في هذه المرحلة من مسيرة التحديث الإداري؟

ان هذا القرار يمثل إحدى أبرز الترجمات العملية لرؤية تحديث القطاع العام، لأنه ينقل الإصلاح من مستوى الهياكل والإجراءات إلى مستوى بناء القدرات البشرية، ويؤسس لمرحلة جديدة تنتقل فيها الإدارة الحكومية من التركيز على المسميات الوظيفية والمؤهلات النظرية وحدها إلى اعتماد معيار أكثر عمقاً وواقعية، يتمثل في المهارات الفعلية والقدرات العملية وما يستطيع الموظف تحقيقه من نتائج.

وياتي اعتماد أطر الكفايات الفنية للوظائف المرتبطة بعصب الإدارة الحكومية الحديثة، من الموارد البشرية والتحول الرقمي وإدارة المعلومات وتحليل البيانات، إلى الأمن السيبراني والشؤون القانونية والمالية والمشتريات والإعلام والخدمات، يعكس توجهاً استراتيجياً لإعادة بناء منظومة العمل الحكومي على أسس أكثر كفاءة وفاعلية، وفي إطار الدور المتقدم لـ هيئة الخدمة والإدارة العامة في تطوير منظومة الخدمة العامة وتعزيز جودة الأداء المؤسسي.

وتأتي أهمية هذا التحول في وقت لم تعد فيه قوة الدول تقاس بحجم أجهزتها الإدارية، بل بقدرتها على إدارة المعرفة، والاستفادة من التكنولوجيا، وتسريع الإنجاز، واتخاذ قرارات مبنية على معلومات دقيقة. فالدولة الحديثة لا تستطيع أن تواجه تحديات الحاضر والمستقبل بأدوات الماضي، خصوصاً مع تغير احتياجات المواطنين وتعقّد الملفات الاقتصادية والإدارية وتسارع التحولات الرقمية.

لقد كان النموذج التقليدي لإدارة الوظيفة العامة يعتمد على عناصر أساسية مثل المسمى الوظيفي، والمؤهل العلمي، وسنوات الخبرة، وهي عناصر مهمة، لكنها لم تعد كافية وحدها لقياس قدرة الموظف على التعامل مع متطلبات العمل الحديث. فالشهادة تمنح المعرفة، لكنها لا تضمن دائماً القدرة على التطبيق، والخبرة الزمنية لا تعني بالضرورة امتلاك المهارات التي تحتاجها الوظيفة في بيئة متغيرة.

ومن هنا تأتي القيمة الحقيقية لأطر الكفايات الفنية؛ فهي تنقل الإدارة الحكومية من سؤال تقليدي حول اسم الوظيفة إلى سؤال أكثر عمقاً حول متطلبات النجاح فيها. فهي لا تحدد فقط ما يقوم به الموظف، بل تحدد ما يجب أن يمتلكه من معارف ومهارات وسلوكيات حتى يستطيع تحويل المعرفة إلى أداء، والخبرة إلى قيمة مضافة.

والأهمية الأعمق لهذا التحول أنه يعيد تعريف علاقة الدولة برأس مالها البشري. فالحكومة الحديثة لم تعد تبحث فقط عن شاغلي وظائف، وإنما عن كفاءات قادرة على قيادة التغيير وتحويل الخطط والسياسات العامة إلى نتائج ملموسة. وهذا يعني الانتقال من إدارة الوظائف إلى إدارة المواهب والقدرات، ومن قياس الحضور إلى قياس الأثر.

وفي هذا السياق يتكامل الدور التنظيمي لـ هيئة الخدمة والإدارة العامة مع الدور التطويري لـ مركز تطوير القيادات والقدرات الحكومية، حيث ستكون المرحلة المقبلة مرتبطة بترجمة هذه الأطر إلى برامج تدريب وتأهيل حقيقية، وردم الفجوات المهارية، وتمكين الموظفين من مواكبة متطلبات الإدارة الحديثة.

كما أن هذا التحول سيعيد تشكيل ثقافة العمل الحكومي؛ فبدلاً من أن يكون التدريب والتقييم إجراءات روتينية، تصبح مبنية على احتياجات فعلية قابلة للقياس والتطوير. وينتقل الموظف العام من ثقافة الانتظار والترقي التقليدي إلى ثقافة المبادرة والتعلم المستمر والتطوير المعرفي، بحيث يصبح الإنجاز والكفاءة أساساً للتقدم المهني.

إن توحيد معايير الكفايات في مختلف المؤسسات الحكومية يحمل قيمة إضافية مهمة، لأنه يضع مرجعية مشتركة للوظائف المتشابهة، ويعزز العدالة والشفافية في التعيين والتقييم والتطوير، ويحد من تفاوت المعايير بين مؤسسة وأخرى.

كما أن اختيار هذه الوظائف في المرحلة الأولى يكشف طبيعة الاتجاه الذي تتحرك نحوه الدولة؛ فهي ليست وظائف هامشية، بل مراكز تأثير رئيسية في الإدارة الحكومية. فالتحول الرقمي وإدارة البيانات يمثلان لغة الدولة المستقبلية، والأمن السيبراني أصبح جزءاً من حماية المصالح الوطنية، والإدارة المالية والمشتريات ترتبط بكفاءة استخدام الموارد العامة، بينما تمثل الموارد البشرية المحرك الأساسي لأي عملية إصلاح.

ومن هنا فإن الاستثمار في الكفايات ليس استثماراً في الموظف فقط، بل هو استثمار في قدرة الدولة على اتخاذ قرارات أكثر دقة، وتقديم خدمات أفضل، وبناء جهاز إداري قادر على مواكبة التحولات المتسارعة.

أما المواطن، فهو المستفيد النهائي من هذا التحول. فالمواطن قد لا يتعامل مباشرة مع مفهوم "أطر الكفايات"، لكنه سيشعر بنتائجها عندما تصبح الخدمات أكثر سرعة وجودة، والإجراءات أكثر وضوحاً، والموظف أكثر قدرة على إنجاز المعاملات بكفاءة واحترافية. فالإصلاح الإداري الحقيقي لا ينجح عندما يبقى داخل الأنظمة واللوائح، بل عندما يتحول إلى تجربة يومية يلمسها الناس.

ويمتد أثر هذا القرار إلى الاقتصاد الوطني أيضاً، فالجهاز الحكومي الكفؤ يشكل أحد عناصر القوة الاقتصادية للدولة، لأنه يسهم في تحسين بيئة الأعمال، وتسريع الإجراءات، ورفع مستوى الثقة لدى المستثمرين وقطاعات الإنتاج. فالإدارة العامة ليست مجرد مقدم خدمة، بل شريك أساسي في تحقيق النمو وتعزيز التنافسية.

ومع كل هذه الأهمية، فإن نجاح القرار لن يقاس بمجرد اعتماده، وإنما بقدرة المؤسسات على تحويله إلى ممارسة راسخة. فالتحدي الحقيقي ليس في صياغة الأطر والمصفوفات النظرية، بل في التطبيق العادل والفعلي لها، وفي القدرة على إدارة التحول ومواجهة أي مقاومة بيروقراطية قد تتمسك بأنماط تقليدية لم تعد تنسجم مع متطلبات الإدارة الحديثة.

ولهذا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى عمل مؤسسي مستمر، وتحديث دوري لهذه الأطر، وتمكين الموظفين من اكتساب المهارات الجديدة، لأن الهدف ليس استبدال نموذج قديم بآخر، بل بناء عقلية إدارية جديدة تؤمن بأن الموظف الناجح هو من يضيف قيمة حقيقية لمؤسسته ولوطنه.

إن قرار اعتماد أطر الكفايات الفنية يمثل في جوهره أكثر من إعادة تنظيم للوظائف؛ إنه محاولة لإعادة بناء الإدارة العامة من الداخل، عبر الانتقال من إدارة تعتمد على التصنيف إلى إدارة تعتمد على الإنجاز، ومن ثقافة تقيس وجود الموظف إلى ثقافة تقيس أثره.

وفي المحصلة، فإن الاتجاه الذي يرسمه هذا القرار واضح: الأردن يتجه نحو نموذج حكومي تكون فيه الكفاءة هي اللغة المشتركة بين الدولة وموظفيها، ويصبح المواطن ورضاه المعيار النهائي لنجاح أي إصلاح.

فالدول لا تُبنى فقط بالأنظمة والقوانين، بل بالأشخاص القادرين على تحويل هذه الأنظمة إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع. وهذا هو جوهر التحول الحقيقي في مفهوم الوظيفة العامة: أن تصبح الكفاءة معيار الدولة، وأن يكون الإنجاز عنوان المرحلة المقبلة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :