عاشوراء .. يوم النجاة والذاكرة الإيمانية المشتركة
د. بركات النمر العبادي
24-06-2026 12:59 PM
يُعدّ يوم عاشوراء من الأيام ذات الدلالات الدينية والتاريخية العميقة في الوجدان الإسلامي، فهو يوم يرتبط بحدث عظيم من أحداث الرسالات السماوية ، ويستحضر في الذاكرة الإنسانية معاني النجاة الإلهية وانتصار الحق على الباطل ، ويكتسب هذا اليوم خصوصيته من كونه مرتبطاً بنبي الله موسى عليه السلام وقصة نجاته وقومه من بطش فرعون ، وهي القصة التي شكّلت إحدى أبرز المحطات في تاريخ التوحيد.
عاشوراء في الذاكرة الدينية
يروي البخاري ومسلم أن النبي محمد ﷺ عندما قدم المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم عن سبب صيامهم، فقالوا: «هذا يوم صالح، هذا يوم نجّى الله فيه موسى وبني إسرائيل من عدوهم ، فصامه موسى شكراً لله». فقال النبي ﷺ: «فأنا أحق بموسى منكم»، فصامه وأمر بصيامه.
وهذا الحديث يكشف حقيقة مهمة في الرؤية الإسلامية ، وهي أن الإسلام لا ينظر إلى الأنبياء باعتبارهم شخصيات منفصلة أو متنافسة، بل يراهم سلسلة واحدة من الهداية الإلهية ، يجمعها التوحيد وتربطها رسالة الإيمان بالله الواحد ، ولذلك لم يكن صيام عاشوراء اقتباساً من اليهودية ، وإنما تأكيداً على وحدة الرسالات السماوية وامتدادها التاريخي.
لماذا يصوم المسلمون عاشوراء؟
يصوم المسلمون عاشوراء شكراً لله تعالى على نصره لأنبيائه وعباده المؤمنين، واستحضاراً لمعنى الثقة بالله في مواجهة الظلم والطغيان. فالقصة ليست مجرد حدث تاريخي مضى وانتهى، بل هي درس متجدد يؤكد أن القوة المادية مهما بلغت لا تستطيع أن تقف أمام إرادة الله وعدالته.
ومن هنا يصبح صيام عاشوراء تربية روحية وأخلاقية تذكّر الإنسان بأن طريق الحق قد يكون شاقاً ، لكنه في النهاية طريق النجاة ، وأن الاستقامة والثبات على المبادئ من أعظم أسباب النصر.
عاشوراء بين اليهودية والإسلام
صحيح أن اليهود كانوا يصومون هذا اليوم إحياءً لذكرى نجاة موسى عليه السلام ، إلا أن الإسلام أعاد تقديم المناسبة ضمن إطارها التوحيدي الشامل ، باعتبار موسى نبياً من أنبياء الله الذين يؤمن بهم المسلمون ويجلّونهم ، ولذلك فإن المسلمين لا يصومون عاشوراء لأنه عيد يهودي ، بل لأنه يوم ارتبط بحدث إيماني عظيم سبق ظهور اليهودية بصورتها التاريخية المعروفة ، وهو نجاة نبي من أنبياء الله وقومه المؤمنين ، فالمسلم يؤمن بموسى كما يؤمن بمحمد وعيسى وإبراهيم عليهم الصلاة والسلام جميعاً.
من السنّة مخالفة اليهود
ومع إقرار النبي ﷺ بأصل الصيام ، أراد أن يميز العبادة الإسلامية عن الممارسة اليهودية ، فقال في آخر حياته: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع». ولذلك استحب العلماء صيام التاسع مع العاشر، أو العاشر مع الحادي عشر، تحقيقاً لهذه المخالفة المشروعة.
الدلالات الحضارية لعاشوراء
يحمل عاشوراء جملة من المعاني الحضارية والإنسانية، منها:
• الإيمان بوحدة الرسالات السماوية.
• شكر الله على نعمه ونصره لعباده.
• ترسيخ قيمة الصبر والثبات أمام الظلم.
• التأكيد على أن التاريخ ليس مجرد أحداث ، بل مصدر للعبرة والاتعاظ.
• تعزيز الشعور بالانتماء إلى الإرث النبوي الممتد عبر العصور.
عاشوراء في الوعي المحافظ الأردني
ومن منظور الفكر المحافظ الأردني الحديث ، لا يُنظر إلى عاشوراء بوصفه مجرد مناسبة دينية أو ذكرى تاريخية ، بل باعتباره جزءاً من الذاكرة الحضارية التي تحفظ للأمة توازنها الأخلاقي واستمراريتها الثقافية ، فالمجتمعات لا تتماسك بالقوانين والمؤسسات وحدها ، وإنما تحتاج أيضاً إلى منظومة من الرموز والقيم الجامعة التي تربط الحاضر بالماضي ، وتمنح الأجيال الجديدة شعوراً بالانتماء إلى تاريخ ممتد من الإيمان والتضحية والثبات على المبادئ ، وفي هذا السياق ، يمثل عاشوراء درساً متجدداً في قيمة الشكر لله ، والصبر في مواجهة التحديات، والثقة بأن الحق لا يضيع مهما اشتدت قوى الظلم والطغيان. وهي قيم تتوافق مع الرؤية المحافظة التي ترى أن بناء الدولة والمجتمع يبدأ من ترسيخ الأخلاق والوعي التاريخي والهوية الثقافية، باعتبارها الأساس الذي يحفظ تماسك المجتمع ويمنحه القدرة على مواجهة التحولات المتسارعة دون أن يفقد جذوره أو ثوابته.
كما يؤكد عاشوراء، وفي الفهم المحافظ الأردني، أن الهوية الإسلامية والعربية ليست مجرد انتماء ثقافي أو إرث تاريخي، بل منظومة قيمية حية تستمد قوتها من سير الأنبياء وتجارب الأمم في مواجهة التحديات ، ومن هنا فإن استحضار هذه المناسبة يعزز لدى الأفراد والمجتمعات معاني المسؤولية والوفاء للتراث الحضاري.
وختاما يبقى يوم عاشوراء مناسبة إيمانية تستدعي التأمل في سنن الله في التاريخ ، وفي العلاقة العميقة التي تربط المسلمين بالأنبياء السابقين ، فهو يوم نجّى الله فيه موسى عليه السلام وأهلك فرعون وجنده ، فتحول إلى رمز لانتصار الحق على الباطل ، وإلى ذكرى تتجدد كل عام لتذكر المؤمنين بأن العاقبة للمتقين ، وأن رحمة الله ونصره أقرب إلى عباده مما يتصورون ، وفي هذا المعنى ، فإن صيام عاشوراء ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب ، بل هو استحضار لقيم الشكر والوفاء للرسالات السماوية ، وتجديد للعهد مع المبادئ التي حملها الأنبياء جميعاً : الإيمان بالله ، والعدل ، والحرية ، وكرامة الإنسان.
حمى الله الاردن من كل كريهة
* حزب المحافظين الاردني- الامين العام المساعد للثقافة الحزبية