تحويلات المغتربين: من التوصيات إلى آلية استثمار منتج
د. حمد الكساسبة
25-06-2026 01:07 PM
تشكل أموال الأردنيين في الخارج أحد أهم الموارد التي تدخل إلى الاقتصاد الوطني كل عام، إذ تقترب قيمتها من 4.5 مليار دولار سنويًا. وهذا الرقم لا ينبغي أن يُقرأ فقط بوصفه دعمًا عائليًا يساعد الأسر على التعليم والسكن والصحة، بل بوصفه موردًا اقتصاديًا واسع الأثر إذا أحسن الأردن تنظيم جزء منه. فالسؤال لم يعد: كم يدخل إلى المملكة من الخارج؟ بل: كيف يمكن أن يتحول جزء محدود وطوعي من هذا المورد إلى استثمار يخلق فرص عمل ويعزز النمو؟
ولا يعني ذلك التقليل من الدور الاجتماعي لهذه الأموال، فهذا الدور مهم وأساسي. فالأردني في الخارج حاضر في حياة أسرته وبلده من خلال الدعم المباشر، وشراء العقارات، وبناء البيوت، وتحريك الطلب المحلي. لكن المشكلة أن هذا الحضور بقي في معظمه فرديًا وغير منظم. جزء كبير مما يصل إلى المملكة يذهب إلى الاستهلاك أو الادخار التقليدي، وهي استخدامات طبيعية، لكنها لا تتحول دائمًا إلى إنتاج مستدام.
الفكرة ليست أن نطلب من العاملين في الخارج أن يرسلوا أكثر، ولا أن ننقل دعمهم من أسرهم إلى مشاريع لا يعرفونها، بل أن نوفر آلية عملية وموثوقة تتيح لمن يرغب أن يوجه جزءًا محدودًا من مدخراته نحو مجالات إنتاجية واضحة، تمنحه عائدًا مفهومًا وتخلق فرص عمل داخل الأردن. بهذا المعنى، يصبح هذا المورد بابًا من أبواب الاستثمار المنظم، لا مجرد تدفق مالي ينتهي أثره عند حدود الاستهلاك.
وليس هذا الطرح منفصلًا عن محاولات سابقة للاهتمام بالأردنيين في الخارج. فقد عُقدت مؤتمرات ومبادرات هدفت إلى تعزيز صلة المغتربين بوطنهم، وتشجيعهم على الاستثمار، والتعريف بالفرص المتاحة. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في عقد اللقاءات أو إصدار التوصيات فقط، بل في تحويل هذه الروابط إلى آلية دائمة وواضحة، تستقبل جزءًا محدودًا وطوعيًا من مدخرات المغتربين، وتوجهه نحو مشاريع إنتاجية قابلة للقياس، بعوائد معلنة ورقابة مستقلة ونتائج يمكن متابعتها.
ويمكن أن تأخذ هذه الآلية شكل قناة وطنية منظمة، مثل محفظة استثمارية أو وديعة إنتاجية، تعمل بشفافية ورقابة واضحة. ولا ينبغي أن تدخل في عناوين عامة أو مشاريع غامضة، بل في قطاعات يملك الأردن فيها قدرة حقيقية على النمو، مثل التصنيع الغذائي، والزراعة الذكية، والطاقة الشمسية، والسياحة الريفية، والخدمات الرقمية. فالغاية ليست جمع المال فقط، بل توجيهه نحو نشاط واضح يعرف المشارك موقعه، وعائده المتوقع، وأثره في التشغيل والتنمية.
ولكي تكون الفكرة أكثر أثرًا، يجب ربطها بالمحافظات لا بالعاصمة وحدها. فكل محافظة تمتلك مجالًا مختلفًا للنمو؛ منطقة تصلح للتصنيع الغذائي، وأخرى للسياحة، وثالثة للزراعة أو الصناعات الصغيرة. ويمكن للأردني المقيم في الخارج أن يساهم في تنمية محافظته أو منطقته، لكن عبر خيارات مدروسة لا قرارات فردية غير منظمة. فالارتباط بالوطن وحده لا يصنع اقتصادًا، لكنه يصبح طاقة إنتاجية عندما يرتبط بدراسة جدوى، وتمويل منظم، ومتابعة حقيقية.
وهذا التوجه ليس جديدًا على المستوى الدولي. فقد استخدمت دول عديدة أدوات مالية موجهة لمواطنيها في الخارج، مثل السندات والودائع الخاصة، بهدف جذب جزء من مدخرات الجاليات وتوجيهها نحو التمويل والتنمية والاستثمار المحلي. والدرس الأهم من هذه التجارب أن دعوة الجاليات للمساهمة لا تكفي وحدها؛ فالنجاح يحتاج إلى ثقة، وشفافية، وسهولة إجراءات، وجهة واضحة تدير الآلية وتعلن نتائجها.
ومن الناحية العملية، يمكن أن تبدأ الفكرة من خلال نافذة رقمية موحدة تعرض فرصًا جاهزة ومدروسة، لا شعارات عامة أو وعودًا فضفاضة. وتوضح هذه النافذة حجم المساهمة، والعائد المتوقع، وعدد الوظائف، وموقع المشروع، والمخاطر المحتملة، والجهة المشرفة.
ويمكن تخيل نموذج بسيط: أردني في الخارج يضع مبلغًا محدودًا في مشروع غذائي داخل محافظته، ويضيف البنك تمويلًا، وتوفر الدولة ضمانًا جزئيًا، بينما تظهر النافذة تقدم العمل والنتائج المتحققة. عندها لا يبقى الدعم مجرد مبلغ يصل إلى الأسرة، بل يتحول إلى نشاط اقتصادي يمكن قياس أثره.
غير أن نجاح هذا النموذج لا يعتمد على الحماس وحده، بل على الحوكمة وإدارة المخاطر. فالاستثمار في أنشطة إنتاجية لا يخلو من احتمالات التعثر أو ضعف العائد أو سوء اختيار المشاريع. لذلك لا ينبغي تقديمه كخيار مضمون، بل كمسار منظم وشفاف يوضح المخاطر قبل العوائد. ولهذا يجب أن تقوده جهة مستقلة ذات إطار قانوني واضح، تضم ممثلين عن البنك المركزي، ووزارة الاستثمار، والبنوك، والقطاع الخاص، وخبراء مستقلين، بحيث تكون الدولة منظمة وضامنة للإطار العام لا مديرة مباشرة للتنفيذ.
في النهاية، أموال الأردنيين في الخارج ليست مجرد أرقام تدخل إلى الحسابات، بل طاقة اقتصادية يمكن تنظيمها بشكل أفضل. وإذا استطاع الأردن أن يحول جزءًا محدودًا وطوعيًا منها إلى نشاط منتج، ضمن آليات مالية واضحة ونافذة رقمية موثوقة، فإن الأثر قد يكون كبيرًا على التشغيل والتنمية في المحافظات. وعندها يصبح السؤال الحقيقي: كيف نجعل هذا المورد المستمر مصدرًا لفرص أوسع واقتصاد أقوى؟