الشباب في قلب السردية الأردنية: من الذاكرة الوطنية إلى الرؤية المستقبلية
عبدالله حمدان الزغيلات
25-06-2026 04:41 PM
يأتي مشروع السردية الأردنية بوصفه واحدًا من أبرز المشاريع الوطنية والثقافية التي تستهدف إعادة قراءة التاريخ الأردني قراءةً علميةً ومنهجيةً شاملة، تستند إلى التوثيق والتحليل واستحضار المحطات الكبرى التي أسهمت في بناء الدولة الأردنية، وتشكيل هويتها السياسية والاجتماعية والثقافية. وقد جاء هذا المشروع بتوجيهات سمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني (ولي العهد)، بعد اللقاء الذي جرى في محافظة الطفيلة، في خطوة تعكس إدراكًا عميقًا لأهمية بناء رواية وطنية، تحفظ الذاكرة الأردنية، وتعيد تقديمها للأجيال ضمن إطار معرفي يربط الماضي بالحاضر، ويجعل من التاريخ رافعةً للوعي الوطني والاستشراف المستقبلي. وفي هذا السياق، كلفت وزارة الثقافة بإدارة هذا المشروع الوطني، وتشكيل اللجان العلمية المتخصصة لكل حقبة تاريخية، بما يضمن شمولية العمل ودقته، ويؤسس لجهد معرفي مؤسسي يليق بتاريخ الدولة الأردنية ومسيرتها الممتدة.
وتنبع أهمية هذا المشروع من كونه لا يقتصر على استعادة الأحداث الكبرى أو سرد الوقائع التاريخية، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة بناء سردية وطنية متكاملة تعكس تطور الدولة والمجتمع، وتبرز أدوار الفاعلين والمؤسسات والتحولات التي مر بها الأردن منذ العصور التاريخية والحضارات القديمة حتى انطلاق الثورة العربية الكبرى إلى وقتنا الحاضر. وفي هذا الإطار، برزت لجنة الحقبة الممتدة من الثورة العربية الكبرى إلى الزمن الراهن برئاسة سعادة النائب السابق الأستاذ الدكتور بسام البطوش، وعضوية نخبة من الأكاديميين والمؤرخين والباحثين، لتتولى تناول واحدة من أغنى الحقب التاريخية وأكثرها اتساعًا من حيث الأحداث والتحولات والدلالات الوطنية.
وما يمنح هذه اللجنة أهمية إضافية أنها لا تكتفي بتوثيق التحولات السياسية والاجتماعية الكبرى، بل تفتح المجال أيضًا لقراءة الأدوار التي لعبتها الفئات المختلفة في صناعة التجربة الأردنية، وفي مقدمتها الشباب. ومن الدلالات المهمة في هذا المشروع الوطني أنه لم يتعامل مع الشباب باعتبارهم موضوعًا من موضوعات السردية فحسب، بل حرص كذلك على إشراكهم بصورة عملية في إنتاج هذه السردية وتوثيقها، بما يعكس إيمانًا حقيقيًا بأن الشباب ليسوا متلقين للرواية الوطنية فقط، بل شركاء في صناعتها. وفي هذا السياق، حظيت بعضوية هذه اللجنة بصفة مساعد باحث، وهي تجربة أعتز بها بوصفها نموذجًا عمليًا على إدماج الشباب في هذا الجهد الوطني، وإتاحة الفرصة أمامهم للمساهمة في جمع المادة التاريخية، وتتبع المحطات المفصلية، والإسهام في صياغة رواية وطنية تستند إلى المنهج العلمي والرؤى الشاملة. وهذه المشاركة، وإن كانت تحمل بعدًا شخصيًا، إلا أنها في جوهرها تعكس فلسفة المشروع ذاته، القائمة على إشراك الشباب في الوعي الوطني، وفي إنتاج المعرفة المتعلقة بتاريخ دولتهم ومجتمعهم.
ومن هنا، فإن الحديث عن الشباب في مشروع السردية الأردنية ليس تفصيلًا هامشيًا، بل هو جزء أصيل من بنية هذه السردية الوطنية؛ لأن الشباب كانوا على الدوام عنصرًا حاضرًا في لحظات التأسيس، وفي محطات البناء السياسي والاجتماعي، وفي الحراك الفكري والطلابي، وفي مسيرة التطوير والتحديث التي شهدها الأردن على امتداد قرن من الزمن. وإذا كانت السردية الأردنية تسعى إلى تقديم صورة متكاملة عن الدولة الأردنية، فإن هذه الصورة لن تكتمل ما لم يمنح الشباب موقعهم الحقيقي فيها، بوصفهم فاعلين في التاريخ، ومشاركين في الحاضر، وشركاء في صناعة المستقبل.
فمنذ مرحلة التأسيس الأولى للدولة الأردنية، كان الشباب جزءًا من الحراك الوطني والاجتماعي الذي رافق نشوء الإمارة وتبلور مؤسسات الدولة الحديثة. وفي السنوات التي سبقت الاستقلال وتزامنت مع بناء الدولة الناشئة، أسهم الشباب في المجال العام من خلال التعليم، والمنتديات الثقافية، والأنشطة الاجتماعية، والتفاعل مع القضايا الوطنية والقومية، كما بدأت تتشكل بينهم ملامح الوعي السياسي المبكر، في ظل أجواء النهضة العربية وتداعيات التحولات الإقليمية. وقد مثلت المدارس والمنتديات والأندية الأولى فضاءات أولية لصناعة هذا الوعي، ولتشكيل علاقة الشباب بالدولة والمجتمع، وربطهم بمفاهيم الانتماء والمسؤولية العامة والعمل الوطني.
ومع تطور الحياة السياسية في الأردن، برزت الحركات السياسية والطلابية بوصفها أحد أهم ميادين التعبير الشبابي، خاصة في المراحل التي رافقت بناء مؤسسات الدولة، وما تلا الاستقلال من تحولات سياسية وفكرية واجتماعية. فقد شهدت الساحة الأردنية حضورًا متناميًا للطلبة والشباب في النقاشات العامة، وفي التفاعل مع قضايا الوطن والأمة، وفي الانخراط في الأطر الطلابية والثقافية والسياسية التي عبرت عن تطلعات جيل كامل كان يبحث عن موقعه في المجال العام. ولم يكن الشباب في تلك المرحلة مجرد جمهور متابع، بل كانوا طرفًا فاعلًا في تشكيل المزاج العام، وفي نقل الأسئلة الوطنية والقومية إلى فضاءات التعليم والعمل الأهلي والنشاط العام.
أما مرحلة الاستقلال وما تلاها حتى سبعينيات القرن الماضي، فقد شهدت انتقالًا مهمًا في موقع الشباب داخل الدولة والمجتمع. فمع ترسيخ مؤسسات الدولة الحديثة، اتسعت مساحات التعليم والعمل والخدمة العامة، وبدأت الدولة تنظر إلى الشباب بوصفهم طاقة يجب تنظيمها ورعايتها وتوجيهها ضمن أطر مؤسسية أكثر وضوحًا. وفي هذه المرحلة، تطورت الأندية الثقافية والرياضية والاجتماعية، وازداد حضور الجمعيات والهيئات التي احتضنت الشباب، وأسهمت في تنمية شخصياتهم، وربطهم بالمجتمع المحلي، وتعزيز مشاركتهم في العمل التطوعي والثقافي والاجتماعي. كما شهدت هذه المرحلة تطورًا في حضور الحركة الطلابية والشبابية، وتناميًا في الوعي السياسي والاجتماعي لدى فئات واسعة من الشباب، في ظل التحولات التي شهدها الأردن والمنطقة بأسرها.
وفي سياق هذا التطور، شكل تأسيس مؤسسة رعاية الشباب محطة مهمة في تاريخ العمل الشبابي في الأردن، باعتبارها إطارًا مؤسسيًا عبر عن اهتمام الدولة بالشباب واحتياجاتهم، وسعيها إلى توفير بيئة حاضنة لهم، تنظم طاقاتهم، وتفتح أمامهم مساحات المشاركة والنشاط والتعبير. ثم جاء لاحقًا تشكيل وزارة الشباب وقيام المجلس الأعلى للشباب ليؤكد انتقال العمل مع الشباب من مرحلة الرعاية العامة إلى مرحلة أكثر نضجًا تقوم على التمكين، وصقل المهارات، وتوسيع المشاركة، وإعداد القيادات الشابة. وقد مثلت هذه المؤسسات محطات رئيسة في تطور السياسة العامة تجاه الشباب، وأدوات مهمة في تنظيم البرامج والمبادرات التي تستهدف بناء قدراتهم، وتعزيز وعيهم، ورفع مستوى مشاركتهم في مختلف القطاعات.
ولم يكن هذا المسار المؤسسي معزولًا عن الدور الحيوي الذي لعبته الأندية والجمعيات والمراكز الشبابية في مختلف محافظات المملكة، والتي شكلت على امتداد عقود حواضن اجتماعية وثقافية ورياضية أسهمت في احتضان الشباب، واكتشاف مواهبهم، وتطوير قدراتهم، وتعزيز حضورهم في الحياة العامة. فمن خلال هذه المؤسسات، وجد الشباب الأردني فضاءات للتعلم، والتطوع، والعمل الجماعي، وبناء الشخصية، والتفاعل مع قضايا المجتمع. كما ساهمت هذه الأطر في غرس قيم المواطنة والانتماء والمسؤولية، وفي خلق قيادات شبابية محلية ووطنية حملت لاحقًا أدوارًا مختلفة في المجتمع والدولة. ومن المهم في هذا السياق أن توثق هذه الأدوار بعناية داخل مشروع السردية الأردنية، لأن تاريخ الشباب لا يقتصر على السياسة بمعناها الضيق، بل يمتد إلى القضايا العامة والثقافة وخدمة المجتمعات المحلية والرياضة والمبادرة الشبابية في شتى المجالات.
وعند الحديث عن رعاية الشباب في الأردن، لا يمكن إغفال الدور البارز الذي اضطلع به جلالة الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، الذي نظر إلى الشباب بوصفهم رصيد الدولة الحقيقي، وعماد المستقبل، وأحد أهم عناصر الاستقرار والبناء. وقد تجلى هذا الاهتمام في رعايته للمبادرات والبرامج التي تستهدف الشباب، وفي دعمه المتواصل للأنشطة التي تعزز انتماءهم ومهاراتهم وقدرتهم على العمل والعطاء. وتأتي معسكرات الحسين للعمل والبناء في مقدمة هذه المبادرات التي رسخت حضورها في الذاكرة الوطنية بوصفها تجربة فريدة في بناء الشخصية الشبابية، وغرس قيم الانضباط والعمل الجماعي والتطوع والاعتماد على الذات. فقد كانت هذه المعسكرات أكثر من مجرد نشاط موسمي؛ كانت مدرسة وطنية متكاملة، أسهمت في تنشئة أجيال من الشباب على حب الوطن، وخدمة المجتمع، وتحمل المسؤولية، وربطت بين العمل الميداني والثقافة الوطنية في صورة عملية ومؤثرة.
ومع دخول الأردن العقود الأخيرة من مئويته الأولى، شهدت قضية الشباب تحولًا مهمًا من التركيز على الرعاية والاحتواء إلى التركيز على التمكين والمشاركة وصناعة القرار. ولم يعد السؤال متعلقًا فقط بتوفير الأنشطة أو البرامج، بل أصبح مرتبطًا بموقع الشباب في الحياة السياسية، وقدرتهم على الوصول إلى مواقع التأثير، والمشاركة في صياغة السياسات العامة، والانخراط في العمل الحزبي والنيابي والمجتمعي. وفي هذا السياق، جاءت مسيرة التحديث السياسي بتوجيهات الملك عبد الله الثاني بن الحسين بوصفها محطة مفصلية في إعادة تعريف دور الشباب في الأردن، وفي منحهم مساحة أوسع داخل العملية السياسية، باعتبارهم شركاء في الإصلاح لا مجرد أدوات تتابع من بعيد.
وقد تجلى هذا التوجه في مجموعة من الإصلاحات والتعديلات التشريعية والسياسية التي هدفت إلى توسيع حضور الشباب في الحياة العامة، ومن أبرزها تعديل قانون الانتخاب بما يتيح فرصًا أكبر للتمثيل والمشاركة، وخفض سن الترشح بما يمنح الشباب فرصة الدخول المبكر إلى العمل النيابي والبلدي، وتعديل قانون الأحزاب بما يعزز الحياة الحزبية المنظمة، ويشجع على انخراط الشباب في العمل السياسي المؤسسي. كما مثلت إتاحة ممارسة العمل الحزبي داخل الجامعات خطوة بالغة الأهمية في إعادة وصل الشباب بالحياة السياسية من بوابة الوعي والمشاركة والحوار، بعد سنوات طويلة من الانقطاع أو الحذر. وإلى جانب ذلك، جاءت المبادرات والبرامج الداعمة للشباب في مجالات القيادة، وريادة الأعمال، والابتكار، والتدريب، والمشاركة المدنية، لتؤكد أن الدولة الأردنية تتجه نحو بناء نموذج جديد في التعامل مع الشباب، يقوم على الاستثمار في قدراتهم، وإتاحة المجال لهم ليكونوا جزءًا من القرار ومن عملية التحديث الشاملة.
وهنا تبرز أهمية توثيق كل ما يتصل بالشباب داخل مشروع السردية الأردنية؛ لأن السردية الوطنية لا تكتمل إذا بقي حضور الشباب فيها جزئيًا أو رمزيًا أو محصورًا في عناوين عامة. المطلوب هو بناء سرد موثق ومتكامل يبين كيف عاش الشباب الأردني مختلف المراحل التاريخية، وكيف أسهموا في بناء الدولة، وفي الحياة التعليمية والطلابية والسياسية والثقافية والاجتماعية، وكيف تطورت علاقة الدولة بهم من مرحلة التأسيس إلى مرحلة الرعاية، ثم إلى مرحلة التمكين والمشاركة. كما ينبغي أن يتضمن هذا التوثيق التحولات التي شهدتها مؤسسات العمل الشبابي، ودور الجامعات والمدارس والأندية والجمعيات والمبادرات الوطنية، والتجارب التي راكمها الشباب في العمل العام والتطوعي والسياسي، وصولًا إلى المرحلة الراهنة التي تسعى فيها الدولة إلى إدماجهم بصورة أكثر وضوحًا في عملية صنع القرار.
إن أهمية إدراج ملف الشباب في مشروع السردية الأردنية لا تكمن فقط في استعادة الماضي، بل في بناء وعي وطني مستقبلي يستند إلى فهم عميق للدور الذي لعبته الأجيال الشابة في تاريخ الأردن، وللأدوار التي يمكن أن تلعبها في مئويته الثانية. فتوثيق هذا المسار يمنح الشباب أنفسهم شعورًا بأنهم جزء أصيل من قصة الوطن، لا مجرد متلقين لها، ويعزز إدراك المجتمع والدولة بأن الاستثمار في الشباب ليس خيارًا ظرفيًا، بل جزء من فلسفة الدولة الأردنية في الاستمرار والتجدد والتحديث.
من هنا، فإن السردية الأردنية وهي تعيد ترتيب الذاكرة الوطنية وتوثيق مسار الدولة، مطالبة بأن تمنح الشباب الأردني المساحة التي يستحقها داخل هذا المشروع الكبير؛ لا بوصفه فئة عمرية فقط، بل بوصفه طاقات متجددة ومتجذرة اجتماعية وسياسية وثقافية أسهمت في تشكيل الأردن الحديث، وشاركت في الدفاع عن استقراره، وفي تطوير مؤسساته، وفي تجديد حياته العامة. كما أن إشراك الشباب في إعداد هذه السردية، كما هو الحال في تجربة الاستعانة بمساعدين باحثين من الجيل الشاب، يشكل قيمة مضافة للمشروع، لأنه لا يكتفي بالحديث عن الشباب، بل يفتح لهم الباب ليكونوا جزءًا من فعل التوثيق ذاته، ومن إنتاج المعرفة الوطنية التي ستبقى مرجعًا للأجيال القادمة.
وفي المحصلة، فإن مشروع السردية الأردنية ليس مجرد مشروع توثيق تاريخي، بل هو مشروع وعي وطني بامتياز، يعيد تقديم الأردن لنفسه ولأبنائه في صورة أكثر شمولًا وتماسكًا وصدقًا. وفي قلب هذا المشروع، يجب أن يحضر الشباب حضورًا يليق بما قدموه عبر العقود، وبما ينتظر منهم في المستقبل. فالشباب في الأردن لم يكونوا يومًا على هامش الدولة، بل كانوا في قلب مسيرتها: في التأسيس، وفي التعليم، وفي الحركات الطلابية والسياسية، وفي الأندية والجمعيات، وفي معسكرات العمل والبناء، وفي مسارات التحديث والإصلاح. ولذلك، فإن توثيق حضورهم في السردية الأردنية هو في جوهره توثيق لجزء أساسي من قصة الأردن نفسها؛ قصة الدولة التي نهضت بسواعد أبنائها، واستمرت بإرادتهم، وتستعد لمئويتها الثانية بثقة تستند إلى تاريخها، وإلى شبابها، وإلى قدرتها الدائمة على التجدد.