لا عمران مع الطغيان: كيف تخسر الأمم مستقبلها وهي تحتفل بالحاضر؟
سمير حمدان - بودابست
26-06-2026 09:28 AM
لعل العبارة المتداولة «لا عمران مع الطغيان» هي أقرب ما يختزل رؤية ابن خلدون للعمران، فهي لا تعبر عن موقف أخلاقي من الظلم بقدر ما تلخص قانوناً في العمران السياسي يفسر صعود الدول وتراجعها، فالظلم، في تصوره، لا يفسد العلاقة بين الحاكم والمحكوم فحسب، بل يضعف الشروط التي تسمح للمجتمع بإنتاج الثروة، وتوليد المعرفة، وترسيخ الاستقرار، وتجديد أسباب القوة، وبعد أكثر من ستة قرون تبدو هذه الرؤية أكثر راهنية من أي وقت مضى، لأن القرن الحادي والعشرين لم يعد يكافئ الدول الأكثر امتلاكاً للموارد، بل الأكثر قدرة على بناء الإنسان، وتعزيز المؤسسات، وإطلاق طاقات المجتمع .
تكمن خطورة الطغيان في أنه قد يحقق إنجازات ملموسة على المدى القصير، لكنه يضعف، مع مرور الزمن، قدرة الدولة على التعلم والتكيف، فعندما تتقدم المحسوبية على الكفاءة، ويُكافأ الولاء أكثر من الإنجاز، وتغيب المساءلة، تتحول المؤسسات تدريجياً من أدوات للإنتاج والإصلاح إلى أدوات لحماية الامتيازات، وعندئذ لا يعود الظلم قضية أخلاقية فحسب، بل يصبح عبئاً اقتصادياً واستراتيجياً يحد من الابتكار، ويقوض الثقة، ويضعف القدرة التنافسية، فالعمران، بمعناه الخلدوني، يقاس بجودة المؤسسات بقدر ما يقاس بحجم الإنجازات المادية، لا بضخامة المشروعات وحدها .
ولهذا لم تعد أدبيات التنمية والاقتصاد المؤسسي تنظر إلى سيادة القانون، واستقلال القضاء، والشفافية، باعتبارها فضائل سياسية فحسب، بل باعتبارها شروطاً مادية للنمو المستدام، فالثقة ليست نتيجة للتنمية، بل أحد أسبابها، لأنها تخفض كلفة التعامل، وتشجع الاستثمار، وتمكن المؤسسات من اتخاذ قرارات طويلة الأجل بكفاءة واستقرار، وتلتقي نظريات التنمية الحديثة، في جوهرها، مع إدراك ابن خلدون للعلاقة بين الظلم وخراب العمران، لأن الدولة التي تفقد ثقة مجتمعها تفقد تدريجياً قدرتها على البناء والتجدد .
ويؤكد التاريخ هذه الحقيقة، فقد خرجت كوريا الجنوبية من الحرب بين أفقر دول العالم، وكانت سنغافورة تفتقر إلى الموارد الطبيعية، لكنهما استثمرتا في التعليم، وكفاءة الإدارة، والانفتاح الاقتصادي، وبناء مؤسسات قادرة على التعلم، فتحولت المعرفة إلى مصدر للثروة، وأصبح الإنسان أهم أصول الدولة، بينما يقدم الاتحاد السوفيتي مثالاً مغايراً، إذ امتلك موارد هائلة وقاعدة صناعية متقدمة، لكنه فقد تدريجياً قدرة نظامه على مراجعة أخطائه واستيعاب النقد، فتآكلت مؤسساته قبل أن ينهار كيانه السياسي .
ولا يقتصر أثر الطغيان على إضعاف مؤسسات الدولة، بل يمتد إلى المجتمع نفسه، فحين تصبح المبادرة مخاطرة، والنقد سبباً للعقاب، يتراجع الابتكار، ويحل الحذر محل الإبداع، وتفقد الدولة أهم مواردها، وهو الإنسان القادر على التفكير الحر، فالثروة يمكن تعويضها، أما العقول التي تهاجر أو تصمت أو تنسحب من المجال العام، فاستعادتها أصعب بكثير، ولذلك لا يبدأ تراجع الدول بخسارة المال، بل بخسارة الثقة والكفاءة معاً، لأن رأس المال البشري لا ينمو في بيئة يخشى فيها الإنسان ثمن المبادرة أكثر من ثمن الجمود .
وليست المشكلة الحقيقية في أن تخطئ الدولة، فكل الدول تخطئ، بل في قدرتها على اكتشاف الخطأ وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة، وهنا يكمن الفارق بين الدولة التي تكتفي بالسيطرة والدولة التي تتعلم، فالأولى تنظر إلى النقد باعتباره تهديداً، بينما تعدّه الثانية مورداً استراتيجياً يحسن قراراتها ويزيد قدرتها على التكيف، لذلك لا تقاس قوة المؤسسات بغياب الأخطاء، بل بسرعة اكتشافها ومعالجتها، لأن التصحيح الذاتي أصبح أحد أهم مصادر القوة في عالم سريع التحول .
وتزداد أهمية هذه الحقيقة في عصر الذكاء الاصطناعي واقتصاد المعرفة، حيث لم تعد القوة تقاس بحجم الجيوش أو الثروات الطبيعية، بل بقدرة الجامعات، ومراكز البحث، والشركات المبتكرة على تحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية، وقد تبدو بعض الدول ناجحة في الحاضر بفضل مشاريعها الكبرى وبناها التحتية الحديثة، لكنها تخسر المستقبل إذا بقيت مؤسساتها عاجزة عن حماية الكفاءة، وضمان المنافسة، واستقلال البحث العلمي، واستيعاب النقد باعتباره أداة للإصلاح لا تهديداً للاستقرار، فالتنمية المستدامة تبدأ من جودة المؤسسات قبل وفرة الموارد .
وفي العالم العربي، لا يكمن التحدي الحقيقي في نقص الإمكانات، بل في كيفية تحويلها إلى مشروع حضاري مستدام، فبناء المدن أسهل من بناء المؤسسات، وتمويل التنمية أسهل من إنتاج الثقة، والعمران الذي قصده ابن خلدون يبدأ بالإنسان قبل الحجر، لذلك لم يعد الاستثمار في سيادة القانون، والقدرة المؤسسية، ورأس المال البشري، خياراً سياسياً أو أخلاقياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية، فالأمم لا تخسر مستقبلها عندما يتباطأ اقتصادها، بل عندما تفقد مؤسساتها القدرة على التعلم والتجدد، وتكتفي بالاحتفال بإنجازات الحاضر بينما تتآكل بصمت مقومات الغد، وعندها لا تبدو عبارة «لا عمران مع الطغيان» شعاراً أخلاقياً، بل قانوناً في العمران السياسي يفسر كيف تنهض الأمم، وكيف تبدأ، من حيث لا تشعر، في خسارة مستقبلها .