لا يشبهنا
أ.د. هيثم العقيلي المقابلة
26-06-2026 11:46 AM
اتساءل لماذا اشارك الكثيرين الشعور بالاغتراب عن جزء من المؤسسات و السياسات الداخلية و فقدان الثقة بالكثير من المسؤولين، ما الذي تغير، و أنا اكثر الداعيين للتفكير النقدي الابداعي و التقييم الموضوعي.
خلال مسيرتي اقابل مسؤولين و افراد اشعر انهم لا يشبهوننا و عمق هذا الشعور السويشال ميديا التي وضعت الجميع امامي على شاشة الهاتف. الافراد تحسم امرك بسهولة و تكتفي بالسلام و ابتسامة و انتهت الحكاية اما المسؤول و الموظف فتجد نفسك مضطرا لرؤيته او سماع خطابة او تقييم ادائه او الاكتواء بنيران سياساته في تفاصيل حياتك اليومية.
لذلك دفعني الفضول للبحث العلمي لايجاد المعايير التي اصنف على اساسها حتى يبقى التفكير و الانطباع علميا موضوعيا و ليس نمطيا انطباعيا. ما وصلت اليه هي ثقافة المسؤول (طريقة السلوك و العيش) و قناعاته (العدسة التي يرى فيها عالمنا من خلال تنشئته) بالتالي فهي ليست مرتبطة بالتعليم او الثراء او الاصل او الجنس او الدين او المذهب او الموقع او المنصب.
قبل الاسهاب اعطي امثلة؛ جلالة الملك يصل له رغبة سيدة بالسفر للاردن و علاج ابنتها فيستقبلها و يؤمن ذلك على نفقته الخاصة، جلالة الملك يهاتف احد اقاربي الذي كان يرقد في المستشفى قبل سنوات ليطمئن عليه لانهما كانا رفقاء سلاح و يناديه ابو قصي طمني عنك، جلالة الملك يهاتف فتاة خرجت منها جملة عابرة (ابوي احسن من الملك) و يجبر بخاطرها و يرفض عقوبتها. كل ذلك يشبهنا فيه دفئ التواصل و سمو الاخلاق.
سمو ولي العهد يذهب الى غرفة اللاعبين ليجبر بخاطرهم و يعززهم نتيجة الاخفاق في مبارتي كأس العالم بعد جهدهم البطولي و تمثيلهم المشرف للاردن. ذلك يشبهنا جبر الخواطر و التعزيز و الايمان بالمستقبل.
مسؤولون في وزارات او مؤسسات تصلهم شكاوي مواطنين من موضوع او قانون فيردون بفوقية. ذلك لا يشبهنا فنحن نختلف، نتحاور و نتواصل و نقنع بعضنا بعضا. رؤساء وزارات سابقين مثل الروابدة و بشر خصاونة موجودين في محاضرات و مناسبات اجتماعية و يحاورون و يتواصلون مع الناس حتى لو لم يغيروا الكثير و لكن نشعر انهم يشبهوننا بالمقابل مسؤولين اخرين سابقين و حاليين تجدهم غير مهتمين بالنبض الاجتماعي بل فقط بالارقام و الاحصاءات، هؤلاء لا يشبهوننا فإدارة الوضع الداخلي للدولة يختلف عن ادارة شركات، هؤلاء لا يشبهوننا.
احزاب و تيارات فكرية ثقافتها و قناعاتها تختلف عنا و توجهاتها دوما ضد رؤية الدولة و مصالحها حتى لو صدرت للواجهة احيانا شخصيات فيها شبه منا لكن فكر هذه الاحزاب و توجهاتها لا تشبهنا.
اذا ما يجعل المواطن او المثقف او الشاب يشعر بالاغتراب في وطنه احيانا برغم محبته له و الكفاية ليس الارقام الاقتصادية فقط بل هو الشعور ان من يدير الوضع الداخلي اليوم لا يشبهنا و بالتالي هنالك فجوة ثقة تتسع.
لنسبر ذلك علميا لنفهم كيف تتشكل المناعة الثقافية اي ان لا تتحول الصعوبات الاقتصادية الى صعوبات اجتماعية بأن يكون من يدير الاوضاع الداخلية يشبهنا فالسياسة الخارجية بيد سيد البلاد و ثقتنا فيها مطلقة اما الداخلية فهنالك طبقات من المسؤولين بين توجيهات سيد البلاد و المواطنين و لو افترضنا رؤية سيد البلاد موجة فعندما تصل شاطئ المواطن اما ان تكون بنفس القوة فتنعكس عليه ايجابا او تخف قوتها و يتغير شكلها من هذه الطبقات فتصل مشوهة.
انا عايشت الثقافة الغربية لسنوات و العربية لعقود و لكنني ارى طبقة من بعض المسؤولين لا تشبه الثقافتين فلا هي مؤمنه بالعمل الجاد و العلم و الانضباط و بوصلة الاهداف التي في الغرب و لا هي مؤمنة بالتعاطف و العادات و التقاليد في الشرق لكنها تصدر لنا نفسها على انها نموذج غربي حديث او نموذج شرقي اصيل لكنها في الحالتين لا تشبه اي منهما و بدل ان تشعر بالاغتراب تسقطه على واقعنا و تترك لنا الاغتراب. مشاريع و تصريحات و زيارات لا تنتهي و ليست من مهام المسؤول و لكن بلا انجازات او انجازات صغيرة لا تليق بالموقع و المسؤولية اي ذر للرماد في العيون.
اذا ما الفرق بين تيار حزبي بوصلته قضايا و مصالح خارج حدودنا و مسؤول الاردن له محطة عابرة و مصلحة ذاتية. يقابلهم مفكرين و اعلاميين و مسؤولين تصورهم للذات و للعدو و للخطر هو تصورنا و لاءات سيد البلاد و مهمتهم تمتين الجبهة الداخلية لتكون خلف قائدها و جيشه و مؤسسات الوطن.
لكن ما هو المعيار ليشبهنا او لا. انها ثقافة السلوك لفظا و فعلا و قناعة الرؤية لارثنا الاجتماعي الثقافي دون ان تحد من الحرية الفردية و العدالة و الابداع و بتواصل يحترم عقليتنا و قيمنا و تقاليدنا. لكن القناعات ( core believes) هي برمجة تغذيها التنشئة على قيم و اهداف و سرديات تنعكس في قرار و سلوك و عندما تواجه مسؤولياتها امام المجتمع و الاعلام اما ان تشبهنا فتكون مقنعة او لا تشبهنا فتكون عبئا.