من يُربي أبناءنا؟ .. الأسرة أم المنصات أم الخوارزميات؟
د. حمزة العكاليك
27-06-2026 08:00 PM
باتت قضية حماية الأطفال واليافعين من مخاطر وسائل التواصل الاجتماعي قضية أمن مجتمعي تتجاوز التدابير المؤقتة لتصل لعمق حوكمة التحول الرقمي وصناعة السياسات العامة. فالمنصات لم تعد مجرد ترفيه بل بيئة تفاعلية تشكل وجدان يافعينا مما يفرض التزاماً أخلاقياً وتشريعياً صارماً لتنظيمها. ويستلزم صياغة سياسات تنظيمية توازناً دقيقاً يجمع بين قوة القانون وحصانة البيانات الشخصية لضمان سلامة واستقرار ونمو كافة أفراد مجتمعنا الأردني.
وبالنظر الى التجارب العالمية تكتسب التجربة الأسترالية أهمية بالغة؛ ففي 2026 كشف تقرير الامتثال الصادر عن مفوضية السلامة الرقمية الأسترالية بعد ثلاثة أشهر من تطبيق قانون السن الأدنى لمن هم دون 16 أن نحو 70% من الأطفال الذين امتلكوا حسابات سابقاً على فيسبوك وإنستغرام وتيك توك وسناب شات حافظوا على وصولهم الفعلي لتلك الحسابات. هذه البيانات تثبت بوضوح عجز الحظر التقليدي بمفرده عن تحقيق الأمان نظراً للجوء الأطفال للتحايل الفني كالشبكات الافتراضية الخاصة (VPNs) وتزييف البيانات أو استخدام هويات أولياء أمورهم فضلاً عن تراخي المنصات في طلب التحقق الاصولي من هويات المستخدمين الجدد.
إن فرض قيود عمرية يعتبر مبرراً لحماية الخصوصية والأمن النفسي للأطفال ولكنه يتطلب إطاراً سياساتياً متكاملاً. فالأهمية القانونية والاجتماعية تكمن في صون البيانات السلوكية للقّصر من الاستغلال التجاري لأن القاصر لا يملك الأهلية للموافقة على بيع بياناته للاستهداف الإعلاني السلوكي. ونفسياً يقي هذا التقييد اليافعين من تداعيات الإدمان كالاكتئاب والعزلة والتنمر السيبراني والابتزاز؛ ممهداً لنمو سليم متوازن بعيداً عن التشوهات الناتجة عن الاستهلاك المفرط للمحتويات الرقمية.
قانونيًا هذه القيود تنقل المسؤولية من الأسرة وحدها إلى المنصة أيضًا وتخلق التزامًا واضحًا على الشركات باتخاذ خطوات معقولة بدل الاكتفاء بسياسات مكتوبة. ففي أستراليا ترافق ذلك مع غرامات تصل إلى 49.5 مليون دولار أسترالي على المنصات غير الملتزمة. اجتماعيًا الفائدة ليست في منع الإنترنت عن الأطفال بل في تأخير التعرض المبكر للبيئات المصممة لجذب الانتباه وإتاحة وقت أكبر للنضج الرقمي خصوصًا أن الأطفال دون 16 عامًا ما زال بإمكانهم استخدام الرسائل والمنصات غير المصنفة كمنصات تواصل اجتماعي خاضعة للمنع ومتابعة المحتوى العام دون تسجيل دخول.
واما أبرز التحديات التقنية؟ فأكبرها ثلاثة: أولًا التحايل لأن الأطفال قد يستخدمون تاريخ ميلاد مزورًا أو حسابات قديمة أو أجهزة دون علم الأسرة. ثانيًا الدقة فأي نظام آلي قد يخطئ في تقدير العمر أو يبالغ في الحظر. ثالثًا الإنصاف لأن بعض الفئات قد تواجه صعوبات أكبر من غيرها في إثبات العمر بسبب ضعف الوثائق أو اختلاف المظهر أو الحالة الاجتماعية. ولهذا فان الحل يجب أن يكون معقولًا وقابلًا للمراجعة وشاملًا وغير تمييزي لا مجرد فلتر تقني جامد.
ويجب ألا تُبنى السياسة على وهم المنع المطلق بل على تقليل الوصول غير المشروع ورفع كلفة التحايل مع توعية الأهل والمدارس. ومع ذلك فإن وجود القيود يظل مهمًا لأنه يخفف الوصول السهل والعشوائي ويمنح الأسر والجهات التربوية سندًا واضحًا للتدخل. واما مسؤولية الأهالي فهي محورية لأن البيانات الأسترالية نفسها تظهر أن 80% من الأطفال الذين كانت لديهم حسابات حصلوا على مساعدة في إعدادها وغالبًا من الوالدين. هذا يعني أن الأسرة ليست خارج المشكلة بل داخلها.
واما دور الشركات يجب أن يتجاوز الامتثال الشكلي إلى السلامة بالتصميم. أي أنها مطالبة بإجراء تقييمات مستقلة وشفافة وتقديم أدوات مراجعة سريعة وتسهيل إعدادات الحماية الافتراضية ومشاركة البيانات ذات الصلة مع الباحثين مع احترام الخصوصية وتهيئة مسارات واضحة لتقديم الشكاوى. كما إن الشركات يجب أن تعطي أولوية لصحة المستخدم وسلامته وأن تنشر بيانات الأثر الصحي بطرق تحمي الخصوصية وأن تخلق أنظمة فعالة للتعامل مع الشكاوى والاعتداءات الرقمية. وبالمقارنة مع حجم الخطر لا يزال ما تفعله كثير من المنصات أقل من المطلوب.
وإذا ما طُبقت القيود العمرية بذكاء فالفائدة ليست فقط تقليل الحسابات الاطفال بل أيضًا تأخير التعرض المبكر للمحتوى المؤذي وتقليل الضغط النفسي ومنح الأسرة مساحة أكبر لبناء العادات الرقمية السليمة وفتح المجال لبدائل أكثر أمانًا مثل الرسائل والتطبيقات التعليمية والمنصات المخصصة للعمر الأصغر. وهذا لا يعني أن الحظر وحده يكفي؛ لكنه يضع حدًا أدنى من الحماية ويمنح المجتمع فرصة لإعادة ضبط العلاقة بين الطفل والمنصة قبل أن تتحول المنصة إلى مربٍّ بديل.
الخلاصة أن حماية الأطفال في الفضاء الرقمي لا تتحقق بشعار واحد ولا بحظر أعمى بل بمنظومة متكاملة: تحقق عمري متدرج وخصوصية منذ التصميم ومسؤولية قانونية على المنصات ووعي أسري وتنسيق وطني دائم. والأهم من كل ذلك: أن تأخير الخطر عن الطفل اليوم قد يعني إنقاذ وعيه وهدوئه وثقته بنفسه غدًا.