facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




ما فقدناه في الطريق


رمزي الغزوي
29-06-2026 01:08 AM

لم يحدث الأمر دفعة واحدة. لم نستيقظ ذات صباح لنجد عقولنا أقل حدة مما كانت عليه. جرى كل شيء بهدوء يليق بالأشياء التي تغيّرنا من الداخل. في البداية قبلنا أن توفر لنا الآلة بعض الوقت، ثم قبلنا أن تختصر علينا البحث، ثم أن ترتب أفكارنا، ثم أن تقترح كلماتنا. ومع كل خدمة جديدة، كنا نتخلى عن مهارة قديمة، حتى أصبحنا نملك الإجابة أسرع من أي وقت، ونصل إليها بأقل جهد، ونشعر بفراغ لا نعرف له اسما.

التفكير لم يكن وسيلة للوصول إلى الجواب فقط. كان طريقة لبناء الإنسان نفسه. الحيرة لم تكن عطلا في العقل، وإنما الورشة التي تتشكل فيها الأفكار. والتردد لم يكن ضعفا، بل المسافة التي تمنحنا فرصة لمراجعة أنفسنا. كل سؤال احتاج زمنا، وكل فكرة نضجت ببطء، تركت داخل صاحبها أثرا لا يتركه أي جواب جاهز، مهما بلغت دقته.

اليوم، تغير الإيقاع كله. لم تعد المعرفة رحلة، وإنما خدمة فورية. السؤال يخرج من أصابعنا، والجواب يعود إليها قبل أن يتاح للعقل أن يبدأ عمله. ومع كل اختصار جديد، تنكمش تلك المساحة التي كان الوعي يتمرن فيها على المقارنة والشك والتركيب والاستنتاج. لم نعد نفتقد المعلومات بقدر ما نفتقد الطريق الذي كانت تسلكه حتى تصبح جزءا منا.

وليس أخطر ما في هذا التحول أن الآلة صارت تكتب وتترجم وتحلل، فهذه وظائف يمكن تقاسمها معها. الخسارة الحقيقية أن الإنسان بدأ يعامل عقله كما يعامل عضلة لا يريد أن يرهقها. يفضل الطريق الأسهل، والعبارة الأسرع، والرأي الذي وصل جاهزا، حتى أصبح التأمل يبدو عملا شاقا، وأصبح الصمت الذي تسبق فيه الفكرة كلماتها زمنا ضائعا لا يحتمله إيقاع العصر.

ولأن العقل لا يعيش بالمعلومات وحدها، بدأت الذاكرة تفقد شيئا من صلابتها أيضا. نقرأ كثيرا، ويستقر في داخلنا القليل. نعبر عشرات النصوص كل يوم، ثم نعجز عن استحضار فكرة واحدة صاحبتنا حتى المساء. صرنا كمسافر يعبر المدن من نافذة قطار لا يتوقف.

بعيدا عن كل ذلك، وتحديدا في المسافة ما بين الشك واليقين، لربما على الواحد منا أن يحتفظ بالشيء الوحيد الذي لا ينبغي له التخلي عنه. القدرة على السؤال وتمحيص إجاباته بذكاء بشري.

الدستور





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :