حين تتكلم أوروبا من تايبيه .. البيان الأوروبي الثلاثي وتحولات النظام الدولي
د. صفاء الحمايدة
29-06-2026 03:22 PM
في الرابع والعشرين من يونيو 2026، وقبل أن تُعلن أي عاصمة أوروبية كبرى عن أي موقف رسمي، أصدرت المكاتب الممثِّلة لبريطانيا وفرنسا وألمانيا في تايبيه بياناً مشتركاً نادراً، تحدثت فيه صراحةً عن تهديد الاستقرار الإقليمي وحرية الملاحة جراء عمليات خفر السواحل الصيني شرق تايوان.
من يقرأ العنوان وحده يظن أن الأمر مجرد بيان دبلوماسي آخر في سجل الأزمات المتراكمة. ومن يقرأ ما وراء السطور يدرك أنه علامة فارقة في تاريخ النظام الدولي.
أوروبا لا تُعلن موقفاً — أوروبا تُعلن يقظتها. والفرق بين الاثنين هو الفرق بين من يقرأ التاريخ ومن يكتبه.
أولاً: جغرافية الرسالة
لا تربط بريطانيا ولا فرنسا ولا ألمانيا علاقات دبلوماسية رسمية بتايوان. هذه حقيقة يعرفها الجميع. لكن الدول الثلاث أصدرت بيانها من تايبيه نفسها — لا من لندن ولا من باريس ولا من برلين.
هذا الاختيار الجغرافي ليس بروتوكولاً إدارياً. إنه رسالة في حد ذاته. رسالة تقول: نحن هنا، على أرضك، وما يجري أمامنا لا يمكننا أن نصمت عنه.
ما أشعل الفتيل مباشرةً كان سلسلة من عمليات خفر السواحل الصيني شرق تايوان، اعترضت خلالها سفن صينية ناقلاتٍ تجارية في مياه دولية، وطالبتها بالإفصاح عن وجهتها ومنشئها، مدّعيةً الولاية القضائية عليها. حين تسأل دولة ناقلةً تجارية عن وجهتها في مياه دولية، فهي لا تُنفّذ قانوناً — بل تختبر حدود الاعتراض. وفي السياسة الدولية، الاختبار الذي لا يُقابَل بردٍّ يتحول إلى سابقة قانونية جديدة.
ثانياً: ثلاث عواصم وثلاثة حسابات
من خلف كل توقيع تقف مصلحة مختلفة.
بريطانيا وقّعت هذا البيان في لحظة كانت تسعى فيها لتحسين علاقاتها مع بكين، مع حوار استراتيجي رفيع المستوى وزيارة رئيس الوزراء ستارمر للصين مطلع العام. أن تُقدم لندن على هذه الخطوة رغم ذلك يعني أن الرسالة أثقل من المجاملة الدبلوماسية. بريطانيا ما بعد البريكست تحتاج أن تثبت لنفسها وللعالم أنها لا تزال لاعباً في الصفوف الأولى.
ألمانيا توقّع بعيون المحاسب. هي الأكثر اعتماداً على أشباه الموصلات التايوانية في سلاسل توريدها الصناعية، والأكثر ارتباطاً تجارياً بالصين في الوقت ذاته. برلين لا تُصعّد، لكنها لا تصمت — وهذا وحده موقف.
فرنسا هي اللاعب الأكثر إثارة للاهتمام. باريس ليست مجرد دولة أوروبية بمصالح تجارية، بل هي دولة محيط هادئ، تمتلك أقاليم وحضوراً بحرياً فعلياً في المنطقة، ككاليدونيا الجديدة وبولينيزيا الفرنسية. أي إعادة رسم للنفوذ البحري الصيني تمسّها بحدودها الحقيقية.
وماكرون الذي قال عام 2023 إن أوروبا يجب ألا تكون تابعة لأمريكا في ملف تايوان — وقّع اليوم على بيان يبدو متوافقاً مع الموقف الأمريكي. هذا التحول لا يُفسَّر إلا بأن الضغط الصيني المتصاعد أجبر باريس على مراجعة حساباتها.
أوروبا تتعامل مع الصين على ثلاثة مستويات في آنٍ واحد: شريك تجاري، ومنافس اقتصادي، وخصم نظامي. هذا ليس تناقضاً — بل هو أعلى درجات البراغماتية الاستراتيجية.
ثالثاً: خيط يمر عبر هرمز
لا يمكن فهم ما يجري حول تايوان دون استيعاب ما جرى في الشرق الأوسط.
في فبراير 2026، غيّرت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران معادلات الردع في العالم كله. تعلّمت بكين دروساً استراتيجية ثمينة: كيف تعمل منظومات الأسلحة الأمريكية، وأين نقاط ضعفها، وكيف تُستنزف ترساناتها. وتعلّمت في الوقت ذاته درساً أكثر إقلاقاً: أن واشنطن ليست تافهة الردود على التحديات الكبرى.
لكن الدرس الذي لفت انتباه أوروبا بشكل خاص كان درساً من نوع آخر: نقطة اختناق بحرية واحدة — مضيق هرمز — كانت كافية لزعزعة شرايين الاقتصاد العالمي في أيام. وإذا كان هرمز يمر عبره خمسة وأربعون بالمئة من واردات النفط الصينية، فإن مضيق تايوان لا يقل في أهميته الحيوية — وكلاهما رأى الأوروبيون ما يمكن أن يحدث حين تمتد يد سياسية لإغلاقه.
هرمز ومضيق تايوان وملقا — ثلاث نقاط اختناق تتحكم في أوردة الاقتصاد العالمي. من يُغلق واحدة يُمسك بخناق الجميع. أوروبا فهمت هذه المعادلة من درس هرمز المؤلم — ولهذا تتكلم اليوم قبل أن تُغلق الثانية.
رابعاً: ما لا يقوله البيان
قرأتُ البيان مرات. وما لفتني فيه ليس ما قاله، بل الحبل الدقيق الذي مشى عليه.
البيان لا يدعو إلى استقلال تايوان. لا يعترف بها دولةً. لا يتحدى الصين بلغة الصراع المباشر. لكنه يقول ما هو أبلغ من كل ذلك: نحن نعارض أي تغيير لواقع يُفرض بالإكراه أو بالقوة.
الدول الثلاث تريد ردع الصين دون إغضابها، ودعم تايوان دون الاعتراف الرسمي بها، والاستقلالية عن أمريكا دون الانفصال عنها، وحماية مصالحها الاقتصادية مع بكين دون الصمت على استفزازاتها. هذه المعادلة الرباعية هي جوهر السياسة الخارجية الأوروبية في المرحلة الراهنة.
الصمت الصيني عن البيان — وامتناع وزارة خارجية بكين حتى عن الرد على طلبات التعليق — ليس استهانةً. إنه حسابٌ دقيق: بكين لا تريد مواجهة مكشوفة مع أوروبا في لحظة تسعى فيها لتحسين صورتها عالمياً وتعزيز علاقاتها مع واشنطن قبيل قمة مرتقبة مع الرئيس ترامب.
خامساً: السؤال الأعمق
ما يجري اليوم حول تايوان ليس نزاعاً على جزيرة. إنه اختبار لسؤال فلسفي عميق: هل يمكن لنظام دولي أن يُصادق على مبدأ 'القوة تُشرّع' — ثم يستمر في الوجود؟
التاريخ أجاب على هذا السؤال مرتين في القرن الماضي. وفي كلتا المرتين كان الجواب مؤلماً.
حين تجتمع واشنطن وبكين على طاولة واحدة في القمة المرتقبة، يكون الغائبون عنها هم الضحية الأولى للنتائج. أوروبا بهذا البيان تقول: نحن لسنا غائبين — حتى لو لم نُدعَ.
التاريخ لا يذكر من أصدر البيانات — بل يذكر من تصرّف حين كانت البيانات لا تكفي.
من الآخر
أكتب هذه السطور من باريس، وأنا أرى أوروبا تُعيد اكتشاف حضورها الاستراتيجي في الملفات الكبرى. كنا — نحن العرب — نتعلم في مناهجنا أن الجغرافيا مصير. اليوم، وأنا أرى بيان تايبيه يُصدر ليقول إن نقطة اختناق في بحر شرق آسيا تمس مصالح برلين ولندن وباريس، أدرك أن الجغرافيا تضيّقت، والعالم صار يقرأ أزماته كلها في آنٍ واحد.
حين أنظر إلى الأردن وأنا أقرأ هذا البيان، لا أفكر في الجيوسياسة أولاً — أفكر في ميناء العقبة. في الشاحنة التي تحمل القمح. في الفاتورة التي تصل بعد كل موجة اضطراب في ممر بحري بعيد. الأردن لا يملك نفطاً يصدّره ولا بحراً يتوسعه — لكنه يملك ما هو أثمن وأخطر في آنٍ واحد: موقعاً يجعله أول من يشعر بالاهتزاز حين يتزعزع النظام الدولي في أي بقعة من العالم. كل اختبار للقانون الدولي في مضيق بعيد هو اختبار للمبدأ ذاته الذي يضمن لميناء العقبة حرية المرور، ولعمّان حق الاستيراد، ولكل دولة سلاحها الأقوى هو القانون. ولهذا فإن ما يُقرَّر في تايبيه أو على طاولة واشنطن وبكين القادمة ليس شأناً آسيوياً بعيداً — بل هو جزء من المعادلة التي تحدد كم تدفع الأسرة الأردنية على فاتورتها الشهرية.
وأتساءل — أنا ابنة هذه المنطقة المقيمة في باريس: متى نقرأ نحن أيضاً استقرارنا الإقليمي بهذه الدقة؟ متى يُدرك أصحاب القرار في عواصمنا أن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى بالصمت حين تُمس أوردة الاقتصاد العالمي — بل بفهم المعادلة قبل أن تُغلق إحدى حلقاتها؟
العالم لا يُدار من المراقبين. وميناء العقبة لا يحميه الصمت.
* كاتبة وباحثة في العلاقات الدولية والدبلوماسية الاقتصادية — باريس