تثبيت أسعار المحروقات… فرصة مالية أم عبء اجتماعي متجدد؟
قصي حمدان الجمال
30-06-2026 10:30 PM
في الوقت الذي يترقب فيه المواطن أي انفراج في كلفة المعيشة، يأتي تثبيت أسعار المحروقات ليعيد فتح نقاش قديم متجدد: هل تتحول أسعار الطاقة إلى أداة لتخفيف العبء عن الناس أم إلى مصدر دخل ثابت للخزينة العامة على حساب القدرة الشرائية؟
لا شك أن استقرار أسعار الوقود يحمل في ظاهره جانبًا إيجابيًا يتمثل في وضوح الرؤية أمام القطاعات الاقتصادية، وتسهيل عملية التخطيط للأفراد والشركات. فأسعار الطاقة عنصر محوري ينعكس مباشرة على النقل والإنتاج والأسعار النهائية للسلع والخدمات.
لكن في المقابل، يبقى السؤال الأهم مطروحًا بإلحاح: إلى أي مدى ينسجم هذا الاستقرار مع الواقع المعيشي الصعب الذي يعيشه المواطن؟ فارتفاع كلف الحياة، وتآكل القدرة الشرائية، وتزايد الالتزامات اليومية، يجعل أي ثبات عند مستويات مرتفعة عبئًا إضافيًا لا يخفف من الضغط الاقتصادي بقدر ما يكرّسه.
المشكلة ليست في مبدأ التسعير بحد ذاته، بل في غياب التوازن بين متطلبات المالية العامة من جهة، والبعد الاجتماعي من جهة أخرى. فحين تتحول الضرائب غير المباشرة أو الأسعار الثابتة إلى مصدر رئيسي لتعزيز الإيرادات، دون أن يقابلها ضبط حقيقي في النفقات العامة أو تحسين في كفاءة الإنفاق، يشعر المواطن أن كلفة التوازن الاقتصادي تُحمَّل له بشكل مباشر.
وهنا تبرز الإشكالية الأعمق: هل السياسة الاقتصادية تسير نحو تحقيق عدالة توزيع الأعباء، أم نحو تثبيت واقع مالي يضمن الاستقرار الكلي ولو على حساب الفئات الأكثر تأثرًا؟
إن المطلوب اليوم ليس فقط تثبيت أسعار أو تغييرها، بل إعادة صياغة شاملة لأولويات الإنفاق العام، وتعزيز سياسات الحماية الاجتماعية، وربط أي استقرار اقتصادي بتحسن ملموس في حياة الناس، لا بمجرد مؤشرات مالية كلية.
في النهاية، يبقى معيار النجاح الحقيقي لأي سياسة اقتصادية هو المواطن نفسه؛ قدرته على العيش بكرامة، والشعور بأن النمو الاقتصادي لا يمر من فوقه بل ينعكس عليه مباشرة.