يوم أمس، حدّثني الأستاذ حسين العتولي، مدير أكاديمية الإعلام الجديد في دبي، عن حوارٍ جمعه بالكاتب والباحث العراقي حسين السعدون؛ ذلك القارئ العربي النهم، والمهتم بالفكر والثقافة، الذي تربّى وجدانيًا على أرصفة الكتب في شارع المتنبي ببغداد، ذلك الشارع العريق الذي لا تنام فيه الحكايات، ولا تُغلق فيه الذاكرة أبوابها.
وبعد أن زار دبي، وتأمّل تجربتها بعين القارئ لا السائح، قال جملةً لافتة استوقفتني طويلًا:
"الآن فقط فهمت نظرية الزيتون واللكزس."
لم تكن الجملة عابرة. فالزيتون هنا ليس شجرة فقط، واللكزس ليست سيارة فارهة فقط. الزيتون رمز الجذور، والبركة، والهوية، والذاكرة الأولى. واللكزس رمز الجودة، والحداثة، والدقة، والرفاه، والطموح نحو المستقبل.
وفي كثير من المجتمعات، يبدو وكأن الإنسان مضطر للاختيار بين الاثنين: إما أن يتمسك بأصالته فيُتَّهم بأنه أسير الماضي، أو يركض نحو الحداثة فيُخشى عليه أن يفقد روحه.
لكن دبي قدّمت معادلة مختلفة.
ترى الشاب يرتدي الكندورة، ويرمس بلهجته المحلية، ويتحدث بثقة عن الذكاء الاصطناعي واستكشاف الفضاء. وترى الشابة بلباسها المحتشم، ويديها المزدانة بالحنّاء، تقود مشروعًا في الابتكار، أو تناقش مستقبل الاقتصاد الرقمي.
تبدأ الاجتماعات بالقهوة العربية والتمر، وتعبق قاعات الاجتماعات برائحة البخور، بينما تتنقل الأحاديث بسلاسة بين الحوسبة الكمية، ووكلاء الذكاء الاصطناعي، واستشراف المستقبل. هكذا فعلتها دبي.
استشرفت، وابتكرت، وصفّرت البيروقراطية، واستعانت بمساعدين من الذكاء الاصطناعي، ورشّقت مؤسساتها، حتى أصبحت "دانة الدنيا"؛ مدينة لا ترى تناقضًا بين الأصالة والحداثة، ولا بين رائحة البخور ولغة الخوارزميات.
فدبي "تقول ما تفعل، وتفعل ما تقول". لا تترك مسافة بين الرؤية والتنفيذ، ولا بين الإعلان والإنجاز؛ لذلك تحوّلت الثقة بها من انطباعٍ عابر إلى ثقافةٍ راسخة.
لم تستبدل دبي الزيتون باللكزس، بل وضعت الزيتون في مقعد القيادة.
فالأمم لا تتقدم حين تقطع جذورها، بل حين تجعل جذورها أكثر قدرة على حمل المستقبل. والهوية ليست قيدًا على التنمية، بل مصدر ثقة واستقرار وتميّز. ومن يفقد هويته وهو يركض نحو الغد، قد يصل سريعًا، لكنه يصل بلا ملامح.
دبي لا تقول للعالم: اترك ماضيك كي تدخل المستقبل. بل تقول: احمل ماضيك معك، ولكن لا تجعله يمنعك من الطيران.
هذه هي نظرية الزيتون واللكزس:
أن تبقى وفيًّا لجذورك، وأنت تقود بثقة نحو المستقبل.
وهنا يكمن سر التجربة: دبي الأفعال… أو كما يمكن أن نقول بلغة العصر Dubai it؛ أي لا تكتفِ بالفكرة، بل حوّلها إلى واقع.