النشامى .. مجدٌ أردني يرفع الرأس ويستحق الفخر والاعتزاز
السفير د. موفق العجلوني
02-07-2026 09:24 AM
ليس من الإنصاف، ولا من الموضوعية، أن تُختزل مسيرة منتخب وطني صنع المجد ورفع راية الوطن عاليًا في نتيجة مباراة أو أداء لم يكن بالمستوى المأمول. فالرياضة، كما الحياة، لا تُبنى على لحظة عابرة، وإنما على مسيرة طويلة من العمل والتخطيط والإنجازات والتحديات.
ومنتخب النشامى ليس استثناءً من هذه القاعدة، بل هو نموذج وطني أثبت خلال السنوات الماضية أن الإرادة الأردنية قادرة على تجاوز الإمكانات المحدودة وصناعة الإنجاز. فمن كان يتوقع قبل سنوات أن يصبح الأردن حاضرًا في أكبر المحافل الكروية، وأن يتحول حلم الملايين إلى حقيقة يفتخر بها كل أردني؟ إن الوصول إلى كأس العالم لم يكن مجرد تأهل رياضي، بل كان إعلانًا بأن الأردن أصبح رقمًا صعبًا في كرة القدم الآسيوية، وأن النشامى كتبوا صفحة جديدة في تاريخ الرياضة الوطنية ستبقى خالدة في ذاكرة الأجيال.
ومن المؤسف أن ينسى البعض هذه الحقيقة بمجرد خسارة مباراة. فالهزيمة ليست نهاية العالم، وليست نهاية المشروع الرياضي، بل هي جزء أصيل من اللعبة. ولو كانت الهزائم تعني الفشل، لما عاد أبطال العالم إلى منصات التتويج بعد سقوطهم، ولما واصل كبار المدربين والنجوم كتابة التاريخ بعد إخفاقات مؤلمة. فالرياضة لا تعترف بالكمال، ولا يوجد منتخب في العالم، مهما بلغت قوته، لم يتعرض للهزيمة أو لم يرتكب أخطاءً فنية أو تكتيكية.
إن النقد حق مشروع، بل هو ضرورة لتصويب المسار، لكن النقد يختلف عن التجريح، ويختلف عن التقليل من قيمة الإنجاز، ويختلف عن تحميل اللاعبين والجهاز الفني مسؤولية كل شيء وكأنهم لم يقدموا للوطن شيئًا. فالنقد الحقيقي هو الذي يبحث عن الحلول، أما الهجوم والانفعال فلا يصنعان منتخبًا، ولا يبنيان مستقبلًا.
لقد خاض النشامى خلال الفترة الماضية مباريات أمام مدارس كروية مختلفة، منها السويسرية والجزائرية والأرجنتينية، وهي مدارس تمتلك تاريخًا طويلًا في كرة القدم العالمية. هذه المواجهات ليست مجرد مباريات ودية أو تنافسية، بل هي مختبر حقيقي لاكتساب الخبرة، وقياس المستوى، واكتشاف مواطن القوة والضعف، وإعداد اللاعبين للاستحقاقات المقبلة. فالمنتخبات الكبيرة لا تتطور إلا عندما تواجه منافسين كبارًا، حتى وإن دفعت ثمن تلك الخبرة بنتائج لا ترضي الطموح.
ويجب ألا نغفل جانبًا مهمًا يتمثل في الضغوط النفسية الهائلة التي يعيشها اللاعب عندما يرتدي قميص الوطن. فهو لا يمثل ناديًا أو مدينة، بل يمثل شعبًا بأكمله، ويحمل على كتفيه آمال الملايين. وهذه المسؤولية الكبيرة قد تؤثر أحيانًا في الأداء، وهو أمر تعترف به كل المدارس الرياضية والنفسية في العالم. ولذلك فإن الوقوف إلى جانب اللاعبين في أوقات التحدي لا يقل أهمية عن الاحتفال بهم في أوقات الانتصار.
لقد قدم لاعبو المنتخب الوطني كل النشامى ما لديهم بإخلاص وشرف، ولم يدخروا جهدًا في الدفاع عن ألوان الوطن. وربما اختلفت مستويات الأداء من مباراة إلى أخرى، لكن أحدًا لا يستطيع أن يشكك في انتمائهم أو رغبتهم الصادقة في إسعاد الأردنيين. هؤلاء اللاعبون يستحقون الاحترام قبل أي شيء، لأنهم كانوا سفراء للأردن في الملاعب الدولية، وقدموا صورة مشرقة عن الإنسان الأردني الذي يقاتل حتى اللحظة الأخيرة.
كما يستحق المدير الفني الكابتن جمال السلامي كل التقدير على العمل الكبير الذي يقوم به مع المنتخب. فالمدرب يُقاس بالمشروع الذي يبنيه، وبالهوية الفنية التي يصنعها، وبالنتائج على المدى البعيد، لا بانفعال لحظي بعد مباراة واحدة. وقد نجح السلامي في قيادة المنتخب خلال مرحلة مليئة بالتحديات، وأثبت أنه يمتلك شخصية تدريبية قادرة على التطوير، وأن الأخطاء التي قد تحدث هي جزء طبيعي من رحلة أي جهاز فني يسعى إلى البناء والاستمرار.
ولا بد من توجيه التحية أيضًا إلى الجهازين الإداري والفني والطبي، وإلى كل من يعمل بعيدًا عن الأضواء. فنجاح أي منتخب ليس عمل أحد عشر لاعبًا داخل الملعب فقط، بل هو ثمرة منظومة متكاملة تبذل جهدًا كبيرًا بصمت وإخلاص، وتعمل ليل نهار حتى يظهر المنتخب بالصورة التي تليق بالأردن.
كما أن الدعم الذي حظي به النشامى من القيادة الهاشمية يجسد أسمى معاني التقدير لمن يخدم الوطن. وكان استقبال نائب جلالة الملك، سمو الأمير فيصل بن الحسين، للمنتخب الوطني رسالة وطنية عميقة تؤكد أن الدولة تكرم أبناءها الذين يجتهدون ويرفعون اسم الأردن في المحافل الدولية، وأن الإنجازات الوطنية لا تُقاس بنتيجة مباراة، بل بحجم ما تتركه من أثر في نفوس الأردنيين وفي مكانة الوطن بين الأمم.
إن المرحلة المقبلة تتطلب مزيدًا من الاستثمار في كرة القدم الأردنية، ومزيدًا من الدعم الفني والإداري والمالي، لأن الإنجازات لا تستمر بالعاطفة وحدها، بل تحتاج إلى التخطيط والاستقرار والعمل المؤسسي. فمنتخب وصل إلى العالمية لا يجوز أن يكون أسير ردود الفعل، بل يجب أن يكون مشروعًا وطنيًا مستدامًا يحظى بالتفاف الجميع.
سيبقى النشامى عنوانًا للفخر، مهما اختلفت النتائج، لأنهم أثبتوا أن المستحيل يمكن أن يصبح حقيقة عندما تتوافر الإرادة والعزيمة والإيمان بالوطن. وسيبقى اللاعب الأردني نموذجًا في الانتماء والإخلاص، وسيبقى الجهاز الفني والإداري والطبي شريكًا في كل إنجاز تحقق وسيتحقق.
اليوم، لا يحتاج النشامى إلى محاكمات قاسية، بل إلى كلمة طيبة، وإلى ثقة، وإلى التفاف وطني يليق بما قدموه للأردن. فالفرق الكبيرة لا تنهض بالنقد الهدام، وإنما بالدعم، وبالثقة، وبالإيمان بأن كل عثرة هي بداية لانطلاقة جديدة.
كل الشكر والتقدير لنجوم منتخبنا الوطني، وللكابتن جمال السلامي، ولجميع أعضاء الأجهزة الفنية والإدارية والطبية، ولكل من وقف خلف هذا المشروع الوطني. لقد منحتم الأردنيين لحظات لن تُنسى، ورفعتم اسم الأردن عاليًا بين الأمم، وأثبتّم أن راية الوطن ستظل خفاقة ما دام فيها رجال يؤمنون بها ويقاتلون من أجلها.
النشامى ليسوا مجرد منتخب لكرة القدم... إنهم قصة وطن، وإرادة شعب، وصورة الأردن المشرقة. والتاريخ لا يكتبه من ينتقد بعد كل خسارة، بل يكتبه من يصنع الإنجاز، ويحافظ عليه، ويؤمن بأن المجد يبدأ بالثقة ولا ينتهي بعثرة عابرة.
ولعل من أبهى الصور التي ستبقى محفورة في ذاكرة الأردنيين، ذلك الحضور الكريم لجلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، وسمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، ولي العهد، في مدرجات الملاعب بالولايات المتحدة الأمريكية لمؤازرة منتخب النشامى. فلم يكن ذلك الحضور مجرد متابعة لمباراة كرة قدم، بل كان رسالة وطنية بليغة تؤكد أن القيادة الهاشمية كانت، وما زالت، الداعم الأول لأبناء الوطن في مختلف الميادين، وأن المنتخب الوطني يمثل الأردن بكل مكوناته، ويحمل رايته بكل فخر واعتزاز.
لقد جسّد وجود جلالة الملك وسمو ولي العهد بين الجماهير أسمى معاني الانتماء والالتفاف حول المنتخب، ومنح اللاعبين دفعة معنوية كبيرة وهم يخوضون واحدة من أهم المحطات في تاريخ الكرة الأردنية. كما عكس هذا الحضور المكانة التي يحتلها النشامى في وجدان القيادة الهاشمية، التي تؤمن دائمًا بأن الشباب الأردني هم عنوان الإنجاز وصناع المستقبل.
ولم يكن المشهد مهيبًا بسبب حضور القيادة وحدها، بل اكتملت صورته بأبناء الجالية الأردنية الذين قدموا من مختلف الولايات الأمريكية، قاطعين مئات وآلاف الكيلومترات، ليكونوا خلف منتخبهم الوطني. اجتمعوا على حب الوطن و قائد الوطن ، وارتدوا الشماغ الأردني، وتوشحوا بالعلم الأردني، وحملوا رايات الوطن بفخر، حتى بدت مدرجات الملاعب وكأنها قطعة من الأردن، تنبض بالولاء والانتماء.
وكان منظر الأعلام الأردنية وهي ترفرف في سماء الملاعب الأمريكية مشهدًا يبعث على الفخر والاعتزاز، فيما صدحت حناجر الجماهير باسم الأردن والنشامى، لتؤكد أن حب الوطن لا تحده الجغرافيا، وأن الأردني يبقى وفيًا لوطنه أينما كان. لقد رسمت الجماهير الأردنية لوحة وطنية مشرقة عكست صورة الأردن الحضارية، وأثبتت أن النشامى ليسوا منتخبًا لكرة القدم فحسب، بل قضية وطنية يلتف حولها جميع الأردنيين.
إن هذا المشهد، بكل تفاصيله، يؤكد أن منتخب النشامى أصبح سفيرًا للأردن في العالم، وأن ما حققه من إنجازات لم يكن إنجازًا رياضيًا فقط، بل إنجازًا وطنيًا عزز صورة المملكة، ورسّخ مكانتها، وجعل العلم الأردني يرفرف عاليًا في أكبر المحافل الدولية، وسط مشاعر الفخر والاعتزاز التي حملها كل أردني داخل الوطن وخارجه.
* المدير العام - مركز فرح الدولي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية
[email protected]