مركز التحكيم الأردني .. بين متطلبات جذب الاستثمار وحسن الصياغة
المحامي محمد مروان التل
02-07-2026 10:38 AM
لا يختلف اثنان على أن إنشاء مركز تحكيم وطني يتمتع بقدرة على إدارة منازعات التحكيم المحلية والدولية أصبح من متطلبات البيئة الاستثمارية الحديثة. فالمستثمر الأجنبي لم يعد ينظر إلى التشريعات الموضوعية وحدها، وإنما يولي اهتمامًا كبيرًا بمدى توافر آليات فعالة وسريعة ومحايدة لتسوية المنازعات، ويأتي التحكيم المؤسسي في مقدمة هذه الآليات.
ومن هذا المنطلق، فإن الاتجاه الذي تبنته مسودة تعديل قانون التحكيم الأردني بإنشاء “مركز التحكيم الأردني” يمثل خطوة إيجابية تستجيب للتطورات التي شهدها التحكيم التجاري الدولي، كما ينسجم مع توجهات الدولة في تعزيز البيئة الاستثمارية وجعل المملكة مركزًا إقليميًا لفض المنازعات. فوجود مركز تحكيم وطني ذي معايير دولية من شأنه أن يسهم في رفع تنافسية الأردن، واستقطاب المنازعات الإقليمية والدولية، وتقديم خدمات قانونية متخصصة تدعم الاقتصاد الوطني.
إلا أن تأييد فكرة إنشاء المركز لا يعني بالضرورة تأييد الأسلوب التشريعي الذي وردت به في مشروع القانون. إذ يلاحظ أن المسودة لم تقتصر على تقرير إنشاء المركز والإشارة إلى شخصيته الاعتبارية، وإنما أفردت عددًا كبيرًا من المواد لتنظيم تشكيله، وإدارته، ومجلس أمنائه، وموارده المالية، وإعفاءاته، وموازنته، وانقضاء شخصيته الاعتبارية، وهي موضوعات ذات طبيعة مؤسسية وتنظيمية لا تدخل في صميم قانون التحكيم.
فقانون التحكيم بطبيعته هو قانون إجرائي يضع القواعد العامة التي تحكم اتفاق التحكيم، واختصاص هيئة التحكيم، والإجراءات، وإصدار الأحكام، والطعن فيها، وتنفيذها، سواء أكان التحكيم مؤسسيًا أم خاصًا. أما تنظيم مركز تحكيم بعينه، بما يتضمنه من أحكام إدارية ومالية وتنظيمية، فيعد موضوعًا مستقلاً يقتضي تنظيمه في قانون خاص أو نظام مستقل، على غرار ما أخذت به العديد من التشريعات المقارنة.
ويترتب على الجمع بين قانون التحكيم وقانون إنشاء المركز في تشريع واحد عدد من الإشكالات، أهمها أن أي تعديل مستقبلي في هيكل المركز أو صلاحيات مجلس الأمناء أو موارده أو قواعد الحوكمة سيستلزم تعديل قانون التحكيم ذاته، رغم أن هذه المسائل لا تمس النظام القانوني للتحكيم. كما يؤدي ذلك إلى تضخم قانون التحكيم بأحكام تنظيمية قد تتغير بتغير احتياجات المركز وتطوره المؤسسي.
ومن ناحية أخرى، فإن نجاح أي مركز تحكيم دولي لا يتوقف على وجوده القانوني فحسب، وإنما يعتمد بصورة أساسية على مدى استقلاله وحياده في نظر المتعاملين معه. فالتحكيم يقوم على الثقة، وهذه الثقة لا تتحقق بمجرد النص على استقلال المركز، وإنما تنشأ من استقلاله المؤسسي الفعلي عن السلطة التنفيذية وعن أطراف المنازعات، وبخاصة إذا كانت الدولة أو إحدى مؤسساتها طرفًا في النزاع.
ولهذا السبب، فإن معظم مراكز التحكيم الدولية الرائدة تتسم بطابعها المؤسسي المستقل، سواء كانت منظمات غير ربحية أو مؤسسات مستقلة ذات إدارة مهنية، بما يعزز ثقة المستثمرين والأطراف الأجنبية في حيادها وعدم تأثرها بالاعتبارات الحكومية أو السياسية. كما أن هذا الاستقلال يمثل عنصرًا مهمًا في قدرة المركز على المنافسة مع المراكز الإقليمية والدولية واستقطاب القضايا العابرة للحدود.
ولا يعني ذلك أن الدولة يجب أن تتخلى عن دعم المركز، بل على العكس، فإن الدعم التشريعي واللوجستي والمالي في مرحلة التأسيس يعد أمرًا مشروعًا ومطلوبًا، إلا أن هذا الدعم ينبغي ألا يتحول إلى هيمنة على إدارة المركز أو آليات اتخاذ القرار فيه، لأن الاستقلال المؤسسي يمثل أحد أهم مقومات نجاح التحكيم الدولي.
ومن ثم، فإن الأفضل تشريعيًا أن يقتصر قانون التحكيم على النص على جواز إنشاء مراكز تحكيم أو الإشارة إلى مركز التحكيم الأردني بإيجاز، مع الإحالة إلى قانون أو نظام خاص ينظم شخصيته القانونية، وإدارته، وقواعد حوكمته، وموارده المالية، واختصاصاته. ويحقق هذا الأسلوب مزايا عديدة، أهمها الحفاظ على الطبيعة الإجرائية لقانون التحكيم، ومنح المركز مرونة أكبر في تطوير بنيته التنظيمية، وتعزيز صورته كمؤسسة مستقلة ومحايدة قادرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا.
وبناءً عليه، فإن إنشاء مركز التحكيم الأردني يعد خطوة تشريعية مهمة ومطلوبة لدعم الاستثمار وتعزيز مكانة الأردن في مجال تسوية المنازعات، إلا أن تحقيق هذه الغاية يقتضي الفصل بين تنظيم التحكيم بوصفه نظامًا قانونيًا عامًا، وتنظيم المركز بوصفه مؤسسة مستقلة، بما يكفل الحفاظ على حياده، وتعزيز الثقة الدولية به، وتمكينه من المنافسة مع أبرز مراكز التحكيم الإقليمية والدولية.