بين غوغائية الحشد وعقلية الدولة: أزمة المضمون في المشهد الحزبي المعاصر
الدكتور عزمي حجرات
02-07-2026 11:18 PM
يواجه مسار التحديث السياسي والعمل الحزبي المعاصر تحدياً بنيوياً عميقاً يمس جوهر استقرار الدول وقدرتها على البقاء والتنمية؛ فالإحلال التدريجي للمهنية السياسية والبرامجية القائمة على لغة الأرقام وأوراق السياسات، لصالح الأدوات الشعبوية والتعبئة العاطفية، يمثل الخطر الأكبر الذي يهدد نضج التجربة البرلمانية في العقود القادمة. إن بناء الأحزاب وتطوير الحياة السياسية لا يمكن اختزالهما بالأرقام الكَمية للمنتسبين أو بعدد المقاعد تحت القبة، بل بجودة الوعي والمحتوى المعرفي الذي تقدمه هذه الكوادر في إدارة الشأن العام. ولعل ما نشهده في بعض الجلسات البرلمانية الحالية يعكس بوضوح أزمة "أميّة سياسية وتاريخية" تجعل العمل الحزبي ينزلق نحو "الظاهرة الصوتية" التي تفتقر إلى أي عمق استراتيجي.
وتتجلى هذه الأزمة بنيوياً في عجز بعض الحركات ذات المنطلقات الأيديولوجية، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، عن الانتقال السلس من "مرحلة الدعوة والتعبئة" إلى "مرحلة ممارسة السياسة بمفهومها الإداري والبرامجي". فحين تفتقر الحركة إلى حلول تكنوقراطية واضحة للأزمات الاقتصادية والاجتماعية المعقدة، تصبح المسيرات والمظاهرات الشعبوية هي الأداة التشغيلية البديلة للبقاء في الساحة. إن هذا الحشد المستمر يمنح شعوراً زائداً بالشرعية ويعوض غياب الإنجاز الملموس على الأرض، مستنداً إلى ثنائيات إقصائية ومخاطبة العواطف والهويات كطريق أسهل للتسويق الجماهيري، مقارنة بالخطاب المهني الصارم الذي يتطلب خططاً استراتيجية وحلولاً قابلة للقياس.
يزداد هذا المشهد قتامة عند النظر إلى آليات التعيين الحزبي للعناصر الجديدة والدفع بها إلى الواجهة البرلمانية دون تسليحها بالخبرة الكافية أو المعرفة العميقة بالتاريخ السياسي والاقتصادي للدولة. إن هذا الفقر المعرفي ينتج خطاباً نيابياً قاصراً، يتعامل مع أزمات الدولة وكأنها وليدة اللحظة أو بدأت مع الدورة الانتخابية الحالية، متناسين تماماً الظروف الجيوسياسية المعقدة، وأزمات اللجوء المتعاقبة، وشح الموارد الذي واجهته الدولة منذ التأسيس وصمدت أمامه ببناء مؤسسي صلب. هذا الغياب للتراكمية يجعل هذه الكوادر تعيد طرح حلول شعبوية مبتورة جُربت سابقاً وثبت عدم نجاعتها، وتتحول وظيفتهم من الرقابة والتشريع المهني إلى مناكفات إعلامية تسعى وراء الإثارة والـ "تريند"، مما يفرغ الأدوات الدستورية من قيمتها الحقيقية.
ولا تقف خطورة هذا الخطاب عند حدود الداخل، بل تتعداه إلى قراءة التشابكات الإقليمية والدولية بعقلية الناشط الثوري بدلاً من عقلية رجل الدولة. ويظهر ذلك جلياً في طريقة تناول بعض النخب الحزبية للاتفاقيات السياسية المعقدة في المنطقة، كاتفاق الإطار اللبناني وترتيبات التهدئة الأمنية؛ حيث يُختزل المشهد كاملاً في زاوية فصائلية أو هوياتية ضيقة ومزايدات شعبوية لكسب تأييد الشارع، مع تغييب كامل لمنظور ومصالح "الدولة اللبنانية" التي يفرض عليها واقع الانهيار الاقتصادي والمالي، واستنزاف البنية التحتية، ضرورة البحث عن طوق نجاة واستقرار يحمي سيادتها ومقومات بقائها. إن هذا الانفصام السياسي يسقط في فخ المثالية الثورية العابرة للحدود التي ترى في أي براغماتية سياسية أو تفاهمات تحمي مصالح الدول العليا بمثابة "تنازل أو خيانة".
المفارقة الصارخة هنا تكمن في الفجوة الواسعة بين خطاب هذه النخب الحزبية في الخارج، وبين الواقع المعاش والبراغماتي لـ 7 ملايين فلسطيني صامدين في الداخل. فهؤلاء الملايين الذين يواجهون يومياً تحديات الوجود تفرض عليهم طبيعة الحياة نمطاً عقلانياً لإدارة تفاصيلهم اليومية والحفاظ على مقومات صمودهم فوق أرضهم، بعيداً عن الشعارات الرنانة الملقاة من خلف الحدود والتي لا تقدم حلاً حقيقياً على الأرض. إن استمرار الهجوم الحزبي على القرارات السيادية للدول يوضح العجز عن التمييز بين منطق "الثورة والفصيل" ومنطق "الدولة" التي تتحرك وفق التزامات وجودية، وحدود، وأمن وطني، وموارد شحيحة يجب إدارتها بحكمة لحماية جبهتها الداخلية.
وفي الختام، فإن تحصين التجربة الحزبية والبرلمانية من الانزلاق نحو الغوغائية والشعبوية يتطلب بناء "مصدات مؤسسية" داخل الأحزاب نفسها. إن الحزب الحقيقي الذي يطمح للمشاركة في السلطة وإدارة الدولة يجب أن يتوقف عن كونه ماكينة حشد انتخابي عاطفي، ليتحول إلى مؤسسة برامجية تمتلك مراكز دراسات وأبحاث داخلية تطبخ السياسات، وتفعل معاهد تأهيل سياسي وتاريخي إلزامية لكوادرها قبل الدفع بهم إلى المشهد العام. إن حماية المستقبل تفرض دمج العقلانية والواقعية الباردة في النقاش العام، وولادة قادة يفكرون بعقلية "رجال الدولة" المستدامة، لا بعقلية "قادة الحشود" المؤقتة، لضمان ألا يتحول التحديث السياسي إلى أداة لاستقطاب حاد يعيق مسيرة الإصلاح والتنمية.