لماذا تتشاطر الدولة على اللصوص .. وتترك الفاسدين؟! ..
محمود الدباس - أبو الليث
04-07-2026 02:13 PM
في لحظة صفاء.. يصبح السؤال أكثر إلحاحاً.. من كونه مجرد انطباع شعبي عابر.. لماذا يبدو أن القبض على لص صغير في إحدى مؤسسات الدولة.. أسهل بكثير من الاقتراب من منظومة فساد كبيرة؟!.. ولماذا تُحسم قضايا بسيطة في ظاهرها بسرعة.. بينما تبقى قضايا المال العام الكبرى.. معلّقة بين الملفات.. واللجان.. والتحقيقات؟!..
الفرق هنا ليس في حجم الجريمة فقط.. بل في طبيعة الجريمة نفسها.. فاللص في صورته التقليدية.. هو ذلك الذي يمد يده مباشرة إلى المال.. أو الممتلكات.. يسرق.. يزور.. يختلس.. ثم يترك خلفه أثراً مادياً واضحاً يمكن تتبعه.. ورغم خطورة فعله.. إلا أن سقوطه غالباً ما يكون ممكناً.. عندما تتوفر الإرادة والدليل..
أما الفاسد.. فالقصة مختلفة تماماً.. لأنه لا يعمل وحده في الغالب.. بل يتحرك داخل شبكة مصالح متداخلة.. تتوزع فيها الأدوار بين من يقرر.. ومن يوقع.. ومن يبرر.. ومن يمرر.. ومن يغض الطرف.. حتى تصبح الجريمة وكأنها إجراء إداري طبيعي.. لا يثير الشك من الخارج.. بينما هي في جوهرها إعادة توزيع للمال العام بطريقة ملتوية.. أو موجهة..
وهنا تنطبق مقولتي التي أرددها دوماً.. أن الفساد هو منظومة.. من الصعب الإمساك والاستفراد بمكوناتها.. حتى وإن كنت معتقداً بوجود فسادهم كدرجة اعتقادك بوجود الشمس والقمر.. فإنك ستجد ألف دليل على وجود الشمس والقمر.. لكنك قد لا تجد دليلاً واحداً مباشراً على فساد منظومة واحدة.. ليس لأن الفساد غير موجود.. بل لأنهم يغطون بعضهم.. ويدافعون عن بعضهم.. ويحمون بعضهم.. ولا يفرطون ببعضهم.. ويزكون بعضهم.. حتى يتحولوا من أفراد متجاورين.. إلى كيان واحد متداخل.. يصعب فصله دون أن تتأثر بقية الأجزاء..
من هنا.. يظهر الفرق الحقيقي بين اللص والفاسد.. اللص يمكن اصطياده بملف.. أو كاميرا.. أو تحويل مالي مكشوف.. أما الفاسد المنظومي.. فهو يحتاج إلى تفكيك شبكة كاملة.. لا شخصاً واحداً.. لأن سقوط حلقة واحدة.. لا يعني سقوط البقية.. بل قد يدفع الشبكة لإعادة ترتيب نفسها بسرعة أكبر..
ولهذا تحديداً.. يصبح من الطبيعي.. أن يخرج في الشارع سؤال ساخر ومؤلم في آن واحد.. لماذا تُحكم القبضة على من يسرق مبلغاً صغيراً.. أو يزور إيصالاً.. أو يختلس أدوات محدودة.. بينما تمر قضايا أكبر بكثير في فضاءات أوسع من التعقيد؟!..
الجواب لا يتعلق بنية الدولة وحدها.. بل بطبيعة الأدوات القانونية التقليدية.. التي تتعامل مع الفرد.. بينما الفساد المنظومي يتعامل مع الدولة ككل..
وهنا لا بد من القول بوضوح.. نحن نحسن الظن بالدولة ومؤسساتها.. ولا نشكك في الإرادة المعلنة لمحاربة الفساد.. لكن حسن النية وحده لا يكفي.. إذا بقيت أدوات المواجهة محصورة داخل المسار التقليدي البطيء.. الذي يمكن في بعض الحالات.. أن يتحول إلى مساحة استنزاف قانوني.. يستفيد منها من يجيدون اللعب داخل الثغرات والإجراءات..
إن مواجهة الفساد المنظومي.. تحتاج إلى ما هو أبعد من انتظار اكتمال الملفات.. أو طول أمد الإجراءات القضائية.. أو تعقيد الإثباتات الفردية.. تحتاج إلى لحظة حسم وقوة دولة.. تعيد تعريف طريقة التعامل مع المال العام.. ومع المنافع.. ومع الوظائف.. بحيث تصبح الشفافية قاعدة.. لا استثناء.. والمحاسبة أداة فورية.. لا مساراً مؤجلاً..
وهنا تظهر أهمية الإجراءات غير التقليدية عندما تواجه الدولة شبكات معقدة.. إجراءات قد تبدأ بتجميد واسع وفوري.. أو تتبع مالي صارم.. أو لجان ذات صلاحيات استثنائية وعليا.. أو آليات استرداد أموال سريعة.. أو حتى مسارات تسوية مشروطة تعيد المال أولاً.. ثم تترك مسار المحاسبة يأخذ مجراه.. لأن الهدف في هذه المرحلة ليس فقط الإدانة.. بل كسر بنية التراكم نفسها داخل منظومة الفساد..
إن تجارب بعض الدول القريبة علينا.. مهما اختلفت حولها الآراء.. أظهرت أن اللحظة التي تقرر فيها الدولة.. أن تضع يدها بقوة على شبكات الفساد.. وأن تسأل بكل جرأة وقوة وحتى بصلافة.. من أين لك هذا؟!.. هي اللحظة التي يتغير فيها ميزان الردع بالكامل.. ليس لأن القانون غائب.. بل لأن الإرادة تصبح هي القانون في مرحلة كسر الشبكات.. قبل أن يعود كل شيء إلى مساره المؤسسي الطبيعي..
لكن الأخطر من كل ذلك.. هو البقاء في منطقة الوسط.. حيث لا حسم كامل.. ولا إصلاح جذري.. ولا تفكيك للمنظومات.. هنا فقط يتغذى الفساد.. لا لأنه أقوى من الدولة.. بل لأنه أكثر انسجاماً مع بطء المواجهة..
إن الرسالة الأهم ليست دعوة للفوضى.. ولا تجاوز القانون.. بل العكس تماماً.. هي دعوة لدولة قوية بما يكفي لتعيد تعريف أدواتها.. وتستخدم القانون نفسه.. ولكن بصرامة أعلى.. وشفافية أوسع.. وقدرة تنفيذية لا تسمح بتحويل الإجراءات إلى ملاذ آمن لمن أتقنوا بناء الشبكات..
فالفساد لا يُهزم بالإنكار.. ولا بالبيانات وحدها.. بل بكسر بنيته.. وإعادة بناء منظومة الدولة على أساس.. أن لا أحد فوق المساءلة.. وأن لا شبكة مهما تشابكت.. تستطيع أن تقف أمام إرادة دولة قررت.. أن ترى المال العام خطاً أحمر لا يُقترب منه..
وعندها فقط.. يصبح السؤال معكوساً.. ليس لماذا نطارد ونمسك لصوص المبالغ الصغيرة بسهولة.. بل لماذا لم نعد نرى لصاً.. أو فاسداً.. إلا وقد ألقي القبض عليه.. قبل أن تتشكل له شبكة حماية أصلاً..