قراءة نقديّة في مسودة قانون الإدارة المحلية
د. رفعت التل
06-07-2026 11:59 AM
* نحو تمكين "اللامركزية" وحماية الإرادة الشعبية
تُشكّل الإدارة المحلية عصب التنمية المستدامة والمطخّ اليومي لمعاملات المواطنين وحياتهم الخدمية. ومن هنا، تكتسب مسودة قانون الإدارة المحلية الجديد أهمية بالغة؛ فهي إما أن تكون بوابة للعبور نحو حوكمة رشيدة تدعم التحول الديمقراطي، أو أن تصبح أداة لإنتاج "مركزية مبطنة" تُفرغ العمل البلدي والمحلي من مضمونه.
إن قراءة متمعنة في نصوص المسودة الحالية تكشف عن فجوة واضحة بين الطموح التشريعي والواقع المأمول، خاصة عند مقارنتها بمخرجات ورؤية اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية.
أولاً: تغول السلطة المركزية.. اليد المحركة خلف الكواليس
تُعد من أبرز السلبيات التي تُعاب على المسودة الحالية هي تكريسها لـ "تغول وزير الإدارة المحلية" على المجالس البلدية والمحلية المنتخبة. إن منح الوزير صلاحيات واسعة النطاق تشمل التدخل المباشر في التعيينات، والتصديق على الموازنات، وتعديل القرارات التنموية، وصولاً إلى صلاحية حل المجالس وتشكيل لجان مؤقتة، يعدّ ضربة قاضية للاستقلال المالي والإداري الذي نص عليه الدستور الأردني للبلديات.
إن فلسفة الإدارة المحلية تقوم على "الرقابة اللاحقة" للتأكد من مشروعية القرارات، لا على "الوصاية السابقة" التي تحوّل المجالس المنتخبة إلى مجرد دوائر تنفيذية تابعة للوزارة، مما يُجهض مفهوم الحكم المحلي من أساسه.
ثانياً: مجالس المحافظات (اللامركزية).. ضرورة التمسك بمخرجات اللجنة الملكية
لقد وضعت اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية رؤية واضحة ومتقدمة لملف اللامركزية، ركزت على تحويل مجالس المحافظات إلى رافعة تنموية واقتصادية حقيقية عبر بنود جوهرية يجب التمسك بها في أي مسودة قانونية:
الاستقلال المالي والإداري التام: من خلال منح مجالس المحافظات موازنات مستقلة حقيقية تُطرح وتُنفذ دون إبطاء بيروقراطي من الوزارات المركزية.
فصل التنموي عن الخدمي: لضمان إشراف مجالس المحافظات على المشاريع الاستراتيجية (كالصحة، التعليم، والعمل) وترك الجانب الخدمي اليومي للبلديات.
وسيع المشاركة الشعبية: لضمان أن تكون الأولويات التنموية نابعة من الاحتياجات الفعلية للميدان والمواطنين مباشرة.
إن الالتزام بمخرجات اللجنة الملكية في ملف اللامركزية هو الضمانة الوحيدة لعدم تفريغ مجالس المحافظات من قيمتها وتحويلها إلى مجالس استشارية بلا مخالب مالية أو تنموية.
ثالثاً: جدلية رئيس البلدية والمدير التنفيذي.. اهتزاز الديمقراطية المحلية
تتجه المسودة نحو تطبيق هندسة إدارية تفصل بين الدور السياسي والدور التكنوقراطي، عبر سحب الصلاحيات التنفيذية والمالية من رئيس البلدية المنتخب ومنحها للمدير التنفيذي المعين.
رغم أن المبرر النظري لهذا الإجراء يسعى لحماية ميزانية البلدية ومعاملاتها من الضغوط الانتخابية أو الشعبوية، إلا أن تطبيقه في الواقع العملي يحمل آثاراً سلبية وخيمة:
1_مصادرة الإرادة الشعبية: إن رئيس البلدية يستمد شرعيته من صناديق الاقتراع بثقة آلاف المواطنين. تجريده من صلاحياته التنفيذية لصالح موظف معيّن يعني عملياً إبطال قيمة أصوات الناخبين.
2_صناعة "واجهة بروتوكولية": يتحول رئيس البلدية بموجب هذا التعديل إلى ما يشبه "رئيس مجلس إدارة" غير تفرغي، ينحصر دوره في التمثيل الرسمي واستقبال الوفود، دون امتلاك الأدوات الحقيقية لتنفيذ الوعود والخطط التي انتُخب لأجلها.
3_شلل القرار المحلي: خلق مركزين للقوة داخل البلدية (رئيس منتخب ومدير معيّن) سيؤدي حتماً إلى مناكفات إدارية وتنازع في الصلاحيات، مما يضير بمصالح المواطنين ويعطل المعاملات اليومية.
إن إصلاح الإدارة المحلية في الأردن لا يمر عبر إضعاف المقعد المنتخب أو تغول السلطة التنفيذية المركزية، بل عبر الرقابة والمحاسبة المؤسسية الصارمة
يتطلب المشهد الوطني اليوم إعادة النظر في هذه المسودة؛ بحيث تُحترم مخرجات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية لدعم مجالس المحافظات (اللامركزية)، والحد بشكل حاسم من صلاحيات الوزير التغولية، وإعادة الصلاحيات التنفيذية لرئيس البلدية مع إخضاعه لأدوات رقابية وقانونية متطورة تضمن النزاهة وتمنع الهدر، ليبقى العمل البلدي معبراً حقيقياً عن إرادة الناس وتطلعاتهم.
* سكرتير مجلس بلدية اربد الكبرى السابق