علاقة الاسلام السياسي والدولة الاردنية
أ.د. هيثم العقيلي المقابلة
06-07-2026 12:02 PM
هل اشكالية الدولة الوطنية بما فيها الاردن مع رجال الاسلام السياسي ام مع الاسلام كدين ام مع الدين كمرجعية سياسية.
هنالك اسئلة عميقة لا بد من طرحها ونقاشها على مستوى فكري ثقافي حتى لا تبقى مصدر خلاف منها علاقة الدولة الوطنية مع الاسلام السياسي و مع الفكر القومي ومع استغلال عدالة القضية الفلسطينية لتسويق تيارات تدعي المقاومة و النضال. ابدأ اليوم بعلاقة الايدولوجيا والدولة الوطنية والمثال الاوضح هو علاقة الاسلام السياسي و الدولة الوطنية.
تحول السلطة الدينية الى سلطة سياسية تعني وجود رجال دين يحكمون اي وجود رجال يؤمنون بفكر ديني يحكمون. بما ان الدين مقدس فإن الحكم باسم الدين سيصبح مقدس و بالتالي لا يمكن تقييم او محاسبة رجال الحكم الديني. لكن هنالك مذاهب و طوائف و اجتهادات و كل تيار فكري ديني يعتقد اعتقاد عميق انه منه يمثل الدين و بالتالي هو من يمتلك الحق المقدس بتحديد الصح و الخطأ و الصالح و الطالح.
اذا المشكلة ليست بأن يكون الدين مرجعية ثقافية اجتماعية او مرجعية للتشريع في الحياة لكن الاشكالية هي في حكم رجال الدين.
الدين في الاردن لا اختلاف عليه فالثقافة الاجتماعية مستمدة في معظم تفاصيلها من الاسلام. الزواج، الطلاق، الميراث، العادات اليومية، ممارسة الشعائر الدينية، التحية، الافراح، الاتراح كلها فيها روح دينية يمارسها رجال الاسلام السياسي و رجال الدولة و المجتمع دون خلاف. بل ان الدولة هي من تمول بناء المساجد و رعايتها. اذا ليس هنالك خلاف على الدين و ليس هنالك خلاف ان يكون الدين العامل الرئيسي في الممارسات الثقافية الاجتماعية.
رجال الاسلام السياسي هم كأي مواطنين اخرين منهم الجيد و السيئ و منهم المخلص و الانتهازي و منهم الوطني و غير الوطني. لا ارى موقف مسبق من الاشخاص و الدليل انهم يعملون بوظائف حكومية و يتدرجون لمواقع قيادية و كان منهم وزراء و اعيان و نواب. اذا المعيار ليس موقف مسبق و لكن موقف من العقلية و السلوك. التطرف مرفوض سواءا من ممثلي الاسلام السياسي او اليسار او العشائر او اي نوع من التعصب.
الدين كمرجعية سياسية: هنا يبدأ الخلاف و هو بالمناسبة خلاف الامة قبل وجود الدولة الوطنية. لان الدين فيه مذاهب و طوائف و فيه تفسيرات فردية و كلها مع الوقت تجمع اتباع ثم تسدل على ذلك قدسية ثم تصبح احتكار للحقيقية و الصلاح و ما خالفهم فهو خاطئ ضال. اذا الدين ثابت لكن التصورات و التفاسير و الرؤى التي في مجموعها تشكل عقلية و من ثم آلية تفكير للمجموعات تختلف. عبر التاريخ العربي و الاسلامي الجميع تقبل المذاهب و الطوائف كثقافة مجتمع و ممارسات و طقوس و لكن عند وجود اي من تلك كمرجعية سياسية حدثت الحروب و المجازر. من ينكر وجود تلك المجازر عندما اصبحت اي من المذاهب او الطوائف مرجعية سياسية فهو واهم و نستطيع تعداد العشرات من تلك و التي ذهب تحت غطائها الملايين.
الاشكالية الحقيقية في طبقة من ممثلي و منتمي الاسلام السياسي تؤمن بأنهم يمثلون السلطة الدينية و هذه يجب ان تحكم. طبعا الحديث عن سلطة دينية تحكم يعني الحديث عن حق الاهي يحكم لا تستطيع مخالفته او حواره. ما يغذي ذلك هو فكر يتم تغذيته بالسرديات و تخوين الآخر.
اذا الاشكالية الحقيقة ليست مع الدين ثقافة إجتماعية و لا مع الاشخاص لكن مع الدين كمرجعية سياسية. كما ينطبق ذلك على الاسلام ينطبق على باقي الديانات السماوية و غير السماوية و الامثلة في الدول المحيطة و البعيدة ما زالت حاضرة.
وجود الدولة الوطنية كان هو الحل لمنع الخلافات الدينية و المذهبية و الطائفية و حتى القومية و العرقية. لكن الدولة الوطنية تحتاج الى مرجعية ثقافية فكرية ايضا تتكئ عليها فإن تركت بدون بقيت الصراعات الفكرية موجودة.
الغرب كان له تجربته و التي تدرجت من الدين كمرجعية سياسية ادت لحروب طاحنة فانتقل الى مرحلة مرجعية العقل مع احترام الدين كثقافة مجتمعية ثم الديمقراطية كعقل جمعي مع احترام الدين في بعض الدول الغربية و رفضه في دول غربية اخرى و للحفاظ على حقوق الاقليات و الافراد دخلت الليبرالية و بالتالي اصبحت المرجعية عقلية جمعية (الديمقراطية) ليبرالية (حرية الافراد و الاقليات).
لكن تلك هي التجربة الغربية التي بناها لبنة لبنة و دفع اثمان لها حروب كبرى و ما زال يبحث عن النموذج المثالي. هل تنفع في بلد مثل الاردن. هنا اعطي تحليلي في المقال القادم.