facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




شرايين العالم تحت النار .. كيف أعادت المضائق رسم خرائط الصراع الدولي؟


صالح الشرّاب العبادي
06-07-2026 02:04 PM

دراسة مختصرة في الجيوبوليتيك العسكري وأثر عقد الاختناق الاستراتيجية في تشكيل النظام الدولي

( في القرن العشرين كانت الجيوش تتنافس على احتلال الأرض، أما في القرن الحادي والعشرين فإن الدول تتنافس على السيطرة على شرايينها ، ومن يملك مفاتيح العبور، يملك القدرة على التأثير في الاقتصاد والسياسة والحرب والسلم )

لم تعد الحروب في القرن الحادي والعشرين تُقاس بمساحة الأراضي التي تحتلها الجيوش، ولا بعدد الدبابات والطائرات المشاركة في العمليات العسكرية، بل أصبحت تُقاس بقدرة الدول على التحكم في شرايين الاقتصاد العالمي، أو تهديدها، أو تعطيلها عند الضرورة. لقد انتقل الصراع من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على الجغرافيا التي تمنح تلك الأرض قيمتها الاستراتيجية، وأصبحت المضائق البحرية، والممرات التجارية، وخطوط الطاقة، وعقد الاتصالات العالمية، أهدافاً عسكرية لا تقل أهمية عن القواعد الجوية أو العواصم السياسية.

إن المتابع للحروب الدائرة اليوم، سواء في الخليج العربي، أو البحر الأحمر، أو البحر الأسود، أو شرق أوروبا، أو غرب المحيط الهادئ، يدرك أن ما يجري ليس صراعات منفصلة، وإنما حلقات مترابطة في معركة عالمية عنوانها السيطرة على مناطق العبور. فالدول الكبرى لم تعد تتنافس على النفوذ السياسي والعسكري فحسب، بل على مفاتيح الحركة التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي، لأن من يتحكم في تدفق التجارة والطاقة والاتصالات يمتلك إحدى أهم أدوات القوة في النظام الدولي.

لقد أدركت القوى الكبرى، ومعها القوى الإقليمية، أن تعطيل شريان واحد من شرايين التجارة العالمية قد يحقق من النتائج السياسية والاقتصادية ما قد لا تحققه حملة عسكرية كاملة. ومن هنا استعادت الجغرافيا مكانتها كسلاح استراتيجي بالغ التأثير، وأصبحت الخرائط البحرية لا تقل أهمية عن خرائط انتشار الجيوش، بل ربما تفوقها أهمية في كثير من الأحيان.

ولعل المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تمثل أوضح مثال على ذلك. فإيران، التي تدرك الفارق الكبير في ميزان القوة العسكرية التقليدية، لم تبنِ استراتيجيتها على مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، وإنما على امتلاك القدرة على تهديد أحد أهم مفاتيح الاقتصاد العالمي، وهو مضيق هرمز، الواقع بين السواحل الإيرانية وشبه جزيرة مسندم التابعة لسلطنة عُمان، والذي يربط الخليج العربي بخليج عُمان ثم بحر العرب والمحيط الهندي. فمجرد التلويح بإغلاق المضيق أو تهديد الملاحة فيه يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، وزيادة تكاليف التأمين والشحن، وإرباك الأسواق العالمية، وهو ما يجعل المضيق ورقة ردع استراتيجية تتجاوز في تأثيرها كثيراً من الأسلحة التقليدية.

ولم يكن باب المندب بعيداً عن هذه المعادلة، إذ أثبتت أحداث البحر الأحمر أن السيطرة النارية على الممرات البحرية قد تكون أكثر تأثيراً من السيطرة الميدانية عليها. فقد أدت الهجمات المسلحة على السفن التجارية والتهديد المستمر لحرية الملاحة إلى تغيير مسارات التجارة العالمية، واضطرت شركات النقل إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، لترتفع تكاليف الشحن والتأمين، وتزداد أسعار السلع، ويتحمل المستهلك في أقصى العالم تكلفة أي تصعيد عسكري يقع في جنوب البحر الأحمر.

أما قناة السويس، فهي ليست مجرد قناة مائية، وإنما تمثل أحد أهم أعصاب الاقتصاد العالمي، إذ تربط بين أسواق آسيا وأوروبا، ويعتمد عليها جزء كبير من حركة التجارة البحرية الدولية. ولا يمكن النظر إلى قناة السويس بمعزل عن باب المندب، فالممران يشكلان منظومة استراتيجية واحدة، إذ إن تعطيل أحدهما يفقد الآخر جزءاً كبيراً من أهميته الاقتصادية، ويجبر العالم على البحث عن طرق بحرية أطول وأكثر كلفة.

وفي البحر الأسود، كشفت الحرب الروسية الأوكرانية عن بعد آخر لحرب الممرات. فلم يكن الصراع على الموانئ الأوكرانية مجرد معركة بحرية، بل كان معركة على صادرات الحبوب والطاقة، وعلى حرية الوصول إلى الأسواق العالمية. وأصبح الصراع على موانئ أوديسا الأوكرانية وسيفاستوبول في شبه جزيرة القرم جزءاً من معادلة الأمن الغذائي وأمن البحر الأسود، وليس مجرد هدف عسكري بين أطراف النزاع.

كما اكتسب البوسفور والدردنيل أهمية مضاعفة خلال الحرب، باعتبارهما المضيقين اللذين يربطان البحر الأسود بالبحر المتوسط عبر بحر مرمرة، ويخضعان لاتفاقية مونترو التي تمنح تركيا دوراً محورياً في تنظيم عبور السفن الحربية. وقد أثبتت التجربة أن الدولة التي تتحكم بمفاتيح العبور تستطيع التأثير في مسار الحرب حتى وإن لم تكن طرفاً مباشراً فيها.

ولا يقل مضيق جبل طارق أهمية عن غيره، فهو البوابة الغربية للبحر المتوسط نحو المحيط الأطلسي، ومن خلاله تمر حركة التجارة والطاقة بين أوروبا والأمريكيتين وأفريقيا، كما يمثل المنفذ الرئيسي لحركة السفن الداخلة إلى البحر المتوسط والخارجة منه.

أما مضيق ملقا، فيمثل شريان الحياة للاقتصادات الآسيوية، إذ تعتمد عليه الصين واليابان وكوريا الجنوبية في تأمين الجزء الأكبر من وارداتها من الطاقة والمواد الخام، ولذلك أصبح أحد أهم محاور التنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين، فيما تصفه الأدبيات الاستراتيجية الصينية بـ”معضلة ملقا”، لما يمثله من نقطة اختناق يمكن أن تؤثر في أمنها الاقتصادي.

ولا يمكن إغفال مضيق تايوان، الذي تحول إلى إحدى أخطر بؤر التنافس الاستراتيجي في العالم. فهذا المضيق لا يمثل ممراً بحرياً حيوياً في غرب المحيط الهادئ فحسب، بل يقع في قلب سلاسل الإمداد العالمية، ولا سيما صناعة أشباه الموصلات، التي أصبحت عصب الاقتصاد الرقمي العالمي. ولذلك فإن أي مواجهة عسكرية فيه لن تقتصر آثارها على شرق آسيا، بل ستمتد إلى الاقتصاد العالمي بأسره.

غير أن أخطر ما تشهده الحروب الحديثة هو انتقال الصراع من البحر إلى الفضاء الرقمي ، فالكابلات البحرية الممتدة في أعماق البحار لم تعد مجرد وسائل لنقل البيانات، بل أصبحت بنية تحتية استراتيجية يعتمد عليها الاقتصاد العالمي، والقطاع المصرفي، وأسواق المال، والموانئ، والمطارات، والقيادة والسيطرة العسكرية ، ويكفي انقطاع عدد محدود من هذه الكابلات حتى تتعطل الاتصالات والخدمات المالية في قارات بأكملها. وتزداد أهمية ذلك إذا علمنا أن جزءاً مهماً من كابلات الإنترنت العالمية يمر عبر البحر الأحمر وباب المندب، الأمر الذي يجعل هذه المنطقة مركز ثقل لحركة البيانات العالمية، كما هي مركز ثقل لحركة التجارة.

كما أصبحت الأقمار الصناعية هدفاً استراتيجياً بالغ الأهمية، إذ تؤمن الاتصالات العسكرية، والإنذار المبكر، والملاحة، والاستطلاع الفضائي، وإدارة القيادة والسيطرة، وتوجيه الأسلحة الدقيقة. ولهذا لم يعد ميدان الحرب يقتصر على البر والبحر والجو، بل امتد إلى الفضاء الخارجي والفضاء السيبراني، حيث أصبحت المعلومات والبيانات لا تقل قيمة عن النفط والغاز.

ولا تتوقف عقد الاختناق الاستراتيجية عند المضائق البحرية وحدها، بل تمتد إلى خطوط أنابيب النفط والغاز، والموانئ العملاقة، والسكك الحديدية العابرة للقارات، والممرات الاقتصادية الدولية، والموانئ المهمة للدول وخاصة دول العالم الثالث ومحاولة السيطرة عليها بالعقود والشراء والشراكة طويلة الأمد ، فمشروعات مثل مبادرة “الحزام والطريق”، والممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، و " طريق الحرير " ليست مجرد مشاريع تنموية، بل تعكس سباقاً دولياً لإعادة رسم خرائط التجارة والنفوذ، وامتلاك طرق بديلة تقلل من الاعتماد على الممرات التقليدية وتحد من قدرة الخصوم على ممارسة الضغوط الجيوسياسية.

ومن هنا يمكن القول إن العالم يشهد تحولاً جذرياً في مفهوم السيطرة الاستراتيجية ، ففي الماضي كانت الدول تتنافس على احتلال المدن والموانئ، أما اليوم فإنها تتنافس على السيطرة على مفاتيح الحركة العالمية ، وأصبحت القدرة على تعطيل التجارة والطاقة والاتصالات أداة ردع لا تقل فعالية عن امتلاك الجيوش والأساطيل.

إن أخطر ما تكشفه الحروب الجارية هو أن الاقتصاد العالمي بات أكثر هشاشة من أي وقت مضى، وأن الأمن الملاحي الدولي أصبح عرضة للاهتزاز في أي لحظة. فالعولمة التي ربطت القارات ببعضها جعلت العالم أكثر ازدهاراً، لكنها جعلته أيضاً أكثر عرضة للشلل إذا أصيب أحد شرايينه الحيوية ، فإغلاق مضيق، أو استهداف ميناء، أو قطع كابل بحري، أو تعطيل قمر صناعي، أو استهداف خط أنابيب للطاقة، قد يؤدي إلى آثار اقتصادية وسياسية تتجاوز حدود الدولة المستهدفة لتصيب النظام الدولي بأسره.

لقد أصبحت المضائق ومناطق العبور بمثابة مراكز ثقل استراتيجية وفق المفهوم العسكري الحديث ، فمن يملك القدرة على التأثير فيها يمتلك القدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي، وفي قرارات الدول الكبرى، وفي موازين القوى الدولية ، ولم يعد امتلاك القوة العسكرية وحده كافياً لتحقيق الردع، بل أصبح تأمين طرق التجارة والطاقة والاتصالات جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي لأي دولة.

لقد دخل العالم مرحلة جديدة من الصراع، لم تعد فيها الجغرافيا مجرد حدود تفصل بين الدول، بل أصبحت أداة نفوذ، ووسيلة ردع، وسلاحاً استراتيجياً ، ومن يراقب خريطة الأزمات الدولية يلاحظ أن معظمها يتمركز حول المضائق، والممرات البحرية، وخطوط الطاقة، وعقد الاتصالات ، وإذا كان القرن العشرون قد شهد حروب السيطرة على اليابسة، فإن القرن الحادي والعشرين يبدو أنه سيكون قرن الصراع على شرايين العالم، حيث لن يكون الانتصار دائماً لمن يمتلك أكبر جيش، بل لمن يسيطر على مفاتيح الحركة العالمية ويحسن حمايتها أو يحرم خصومه منها.

إن المستقبل لن يُرسم فقط في ميادين القتال، بل في المضائق البحرية، وممرات الطاقة، والكابلات البحرية، والمدارات الفضائية. وهناك، بعيداً عن ضجيج المدافع، تتشكل ملامح النظام الدولي الجديد، ويُعاد رسم ميزان القوى بين الأمم.

* الجيوبوليتيك : هو العلم الذي يبحث في العلاقة بين الجغرافيا والقوة، وكيف يؤثر الموقع، والمناخ، والموارد الطبيعية، والمضائق، والبحار، والحدود، والممرات التجارية، في سلوك الدول وسياساتها وحروبها وتحالفاتها او السيطرة عليها بالقوة او بالعقود المترتبة عليها خسائر الانفكاك او الشراء او الاتفاقيات او الشراكة طويلة الأمد..





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :