جرائم العنف المجتمعي .. إلى متى؟
فيصل تايه
09-07-2026 12:10 PM
خلال الأيام الماضية، عادت جرائم العنف المجتمعي إلى صدارة المشهد الأردني، إثر سلسلة من الحوادث المؤلمة التي تجاوزت حدود الغضب والاستنكار، لتضع المجتمع بأسره أمام حالة من القلق العميق، وتفرض سؤالاً لم يعد بالإمكان تجاهله: هل بات العنف ظاهرة تستوجب وقفة وطنية شاملة وحازمة، أم سنواصل اختزال المشهد والتعامل معه باعتباره حوادث منفصلة؟
إن المشهد المتكرر بصورة مقلقة، حيث يبدأ الخلاف بكلمة عابرة أو مشادة كان يمكن احتواؤها بلغة العقل والحوار، ثم ينتهي بفقدان حياة إنسان وترك عائلات تواجه ألماً لا يعوض، يدفعنا جميعاً إلى الوقوف أمام تساؤلات صعبة: ما الذي أوصلنا إلى هذه المرحلة من الاحتقان؟ ولماذا أصبح اللجوء إلى القوة أسرع من الاحتكام إلى العقل وسيادة القانون؟
وتكمن الخطورة الحقيقية في بوادر تحول العنف إلى وسيلة لحل النزاعات، وربما إلى سلوك يهدد النسيج الاجتماعي إذا لم تتم مواجهته بجدية ومسؤولية. فمعالجة الجريمة بعد وقوعها، مهما كانت العقوبة رادعة، تبقى معالجة للنتيجة لا للسبب، بينما تفرض المسؤولية الوطنية اليوم الانتقال من ردود الفعل المؤقتة إلى العمل الوقائي الذي يبحث في الجذور ويعالج مواطن الخلل قبل الوصول إلى مراحل يصعب تداركها.
فالعنف لا يولد في الشارع فجأة، بل يبدأ في طريقة تفكير الإنسان، وفي البيئة التي يتشكل فيها وعيه منذ سنواته الأولى. ومن هنا تأتي المسؤولية الكبرى للأسرة في غرس قيم ضبط النفس، واحترام الآخر، وقبول الاختلاف، لتتكامل هذه المسؤولية مع دور المدرسة التي لا ينبغي أن تقتصر مهمتها على التعليم الأكاديمي، بل أن تكون مؤسسة لبناء الشخصية وتعزيز السلوك الإيجابي.
وهنا يبرز الدور المحوري للمدرسة في التأثير في شخصية الطالب، والاستثمار في الإرشاد التربوي وفي دور المعلم ، ويمتد هذا الدور إلى الجامعات التي تتحمل مسؤولية كبيرة في احتواء طاقات الشباب، وتعزيز ثقافة الحوار والانتماء الوطني، وتحصين الطلبة من التعصب وسرعة الانفعال، وفتح المجال أمامهم للمشاركة الإيجابية في الحياة العامة، لأن الشباب هم قوة الوطن الأساسية ومستقبله.
وعلى الصعيد ذاته، تبرز مسؤولية الإعلام والفضاء الرقمي كشريك أساسي في معركة الوعي. فالعنف لم يعد محصوراً في الواقع فقط، بل أصبح يجد أحياناً بيئة خصبة عبر بعض منصات التواصل الاجتماعي التي قد تستخدم لنشر خطاب الكراهية أو تمجيد السلوكيات العدوانية أو تحويل الجريمة إلى مشهد عابر. ومن هنا تأتي ضرورة التعامل مع هذا الفضاء بمسؤولية، وتوجيهه ليكون أداة للوعي والإصلاح لا وسيلة لتعزيز الانقسام والتحريض.
كما أن للمؤسسات الدينية ومنابر المساجد، وخطب الجمعة على وجه الخصوص، دوراً مهماً في ترسيخ قيم السلم المجتمعي، والتذكير بحرمة الدماء، وتعزيز ثقافة التسامح والإصلاح بين الناس. فالمنبر الديني كان وسيبقى مساحة لبناء الوعي وترسيخ القيم التي تحمي الإنسان والمجتمع، وتدعو إلى ضبط الغضب، ونبذ التعصب، والاحتكام إلى القانون.
وفي مقابل هذا الجهد التوعوي والتربوي، تبقى هيبة القانون وتطبيقه بعدالة وحزم وسرعة، الركيزة الأساسية لاستقرار المجتمع. فلا يمكن لأي مجتمع أن يشعر بالأمان إذا ظن أحد أفراده أن بإمكانه تجاوز القانون أو أخذ حقه بيده. فسيادة القانون ليست مجرد إجراء رسمي، بل هي الضمان الحقيقي لحماية الجميع وتحقيق العدالة.
وفي الوقت ذاته، فإن قيمنا وعاداتنا العشائرية الأردنية الأصيلة كانت وستبقى عنواناً للنخوة والإصلاح وحقن الدماء، وهي بريئة من أي سلوك فردي يحاول استغلال الروابط العائلية أو الاجتماعية كغطاء للإفلات من المسؤولية أو الالتفاف على سيادة الدولة ومؤسساتها. فالعشيرة كانت عبر تاريخها سنداً للإصلاح وجمع الكلمة، لا غطاءً للفوضى أو تجاوز القانون.
ولا يمكن مواجهة ظاهرة العنف المجتمعي بالانطباعات وردود الفعل فقط، بل تحتاج إلى قراءة علمية عميقة تستند إلى الدراسات والبيانات. فالمجتمعات لا تعالج مشكلاتها بالحدس وحده، وإنما بفهم أسبابها وتحليل عوامل انتشارها.
إن ما يحتاجه الأردن اليوم هو مشروع وطني متكامل ومستدام تشارك فيه جميع الجهات ذات العلاقة: المؤسسات الأمنية والقضائية، وقطاع التربية والتعليم، والجامعات، والإعلام، والمؤسسات الدينية، ومؤسسات المجتمع المدني، والأسرة الأردنية.
مشروع لا يكتفي برصد النتائج بعد وقوع الجريمة، بل يعمل على تجفيف منابع العنف النفسية والاجتماعية والثقافية، لأن المجتمعات الحية لا تنتصر على الجريمة بالعقوبات وحدها، وإنما ببناء الإنسان وتعزيز ثقافة الحوار واحترام القانون.
فالأردن يستحق أن يبقى واحة أمن وأمان كما عرفه أبناؤه، وحياة الإنسان فيه يجب أن تبقى قيمة عليا لا تُمس. وحماية الوطن لا تكون فقط بحراسة حدوده، بل أيضاً بتحصين جبهته الداخلية من ثقافة العنف، وبناء جيل يؤمن بأن القوة الحقيقية ليست في فرض الإرادة على الآخرين، بل في القدرة على ضبط النفس واحترام الإنسان.
لقد آن الأوان أن يتحول الحديث عن العنف المجتمعي من موسم مؤقت من الغضب والاستنكار إلى مشروع وطني مستمر يعيد بناء الثقة، ويعزز احترام القانون، ويرسخ قيمة الإنسان فوق كل اعتبار.
فالسؤال الذي يواجهنا اليوم ليس فقط: إلى متى سنبقى نستنكر؟
بل: متى نبدأ فعلياً ببناء مجتمع يجعل العنف استثناءً مرفوضاً، لا خبراً متكرراً ننتظر تفاصيله؟