عندما يُكلَّف أي رئيس وزراء بتشكيل حكومته في بلادنا، يباشر مشاورات لاختيار فريقه الوزاري ويُعلن ملامح برنامجه في رسالة الرد على كتاب التكليف السامي، ثم يُفصّل ذلك البرنامج في بيان الثقة أمام مجلس النواب، وفق المسار الدستوري المعتاد.
وفي ذلك البيان يستحضر الرئيس خطاباً بديباجات تنموية مألوفة، منها تحسين المستوى المعيشي، وتطوير التعليم، والارتقاء بالصحة، ودعم الزراعة، وتحفيز النمو الاقتصادي، ثم يضيف إلى تلك القوالب لمساته الخاصة، لبناء قناعة بأن برنامجه يحمل قيمة مضافة لا تكرر ما جاء به سابقوه.
لكن تجربة الأردنيين مع حكوماتهم المتعاقبة تقول إن البرنامج الحقيقي لا ينتهي عند تلك المنصة، إذ يتشكّل الاعتقاد بأن كل رئيس يبدو أنه يُصدم فور جلوسه على الكرسي باكتشاف "ملف استحقاقات مرحلي وأجندة مفاجئة أكثر إلحاحاً" من الديباجات النمطية، فيوظّف لأجلها كل ما يملك من مهارات سياسية وإدارية، ضمن جدول زمني يتماهى مع الدورات البرلمانية.
فحين رفعت إحدى الحكومات الدعم عن سلعة أساسية، شعر المواطن أن رغيف خبزه أضاف ثقلاً على راتبه، وعندما وسَّعت حكومة أخرى القاعدة الضريبية باسم العدالة، اكتشف صاحب الدخل المحدود أن العدالة انتُزعت من صميم حاجته، وكذلك الأمر بعد تمرير اتفاقية استراتيجية للطاقة بلغة الاستدامة، فإن الشارع لا يفهم من الاستدامة سوى أن الفاتورة ستضيف عبئاً معيشياً جديداً.
وهكذا تَـغيبُ تفاصيلُ القرارات المصيرية والصعبة عن العناوين العريضة لخطاب الثقة الأول، لتبرز لاحقاً عبر جهود إدارية وسياسية تحاول بناء أرضية تشريعية ومنطقية لتمريرها، وبتوقيت مدروس يراعي حساسية اللحظة أكثر مما يراعي أثرها في المفهوم السياسي والاجتماعي والاقتصادي الشعبي.
وطالما اكتفىٰ الرئيس بمتابعة ديباجات البرنامج التقليدية، سيستمر شهر العسل مع الجمهور، إلى أن تتكشف ملامح القرارات المصيرية، فتبدأ المواجهة تدريجياً، ويتحول الرئيس وفريقه الوزاري إلى هدف لآلة الرأي العام الغاضبة.
أما أسوأ ما يتمناه أي رئيس حكومة في تلك المرحلة هو أن يجد نفسه في مواجهة معركة جانبية، تستنزف رصيده وتُلهيه عن أجندته التي لا تحتمل التأجيل، والتي تحتاج انسجاماً مع المؤسسات الدستورية، وتتطلب مناخاً شعبياً مهيئاً لتقبّل القرار الصعب بعيداً عن المفاجآت التي تعكر المزاج العام.
وبين الافتراض والواقع، تحضر العبارة الشهيرة لمايك تايسون بأنّ كل ملاكم يملك خطة مُحكمة قبل الدخول إلى النزال، ومع أول لكمة حقيقية يتلقاها في الوجه تتبخر الخطة، ويتحول التفكير كله إلى محاولة استجماع التركيز لاستعادة التوازن أمام "الحَـكَـم"، قبل أن يفكر في استئناف التحدي من جديد..