فخ ثوسيديديس .. كيف تعيد المنافسة الأمريكية الصينية رسم خريطة الشرق الأوسط
الدكتور علي فواز العدوان
11-07-2026 04:21 PM
العالم لم يعد يعيش مرحلة تنافس تقليدي بين القوى الكبرى، بل دخل مرحلة انتقالية تعيد تشكيل بنية النظام الدولي بأكمله. فالمواجهة الدائرة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين لم تعد خلافاً اقتصادياً أو تجارياً عابراً، وإنما أصبحت صراعاً استراتيجياً على قيادة العالم خلال القرن الحادي والعشرين. وفي هذا السياق، يبرز مفهوم "فخ ثوسيديديس" بوصفه أحد أهم الأطر النظرية لفهم طبيعة هذا التحول، حيث يشير إلى احتمالية اندلاع الصراع عندما تسعى قوة صاعدة إلى منافسة قوة مهيمنة تخشى فقدان مكانتها الدولية.
لقد شهد التاريخ نماذج عديدة لهذه الظاهرة، إلا أن المشهد الراهن يختلف جذرياً؛ فالقوى المتنافسة اليوم تمتلك قدرات نووية هائلة، واقتصادات مترابطة، وأدوات نفوذ تتجاوز القوة العسكرية لتشمل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة وسلاسل الإمداد والفضاء السيبراني. ولذلك فإن الصراع الحالي لا يُدار بالضرورة عبر المواجهة المباشرة، بل من خلال حروب النفوذ، والعقوبات الاقتصادية، وإعادة تشكيل التحالفات، والتنافس على الممرات البحرية والأسواق العالمية.
ومن هنا، يصبح الشرق الأوسط أحد أهم ميادين هذا التنافس الدولي، ليس فقط بسبب احتياطيات النفط والغاز، وإنما لكونه يمثل عقدة جيوسياسية تربط آسيا وأوروبا وإفريقيا، وتتحكم بأهم الممرات البحرية التي تعتمد عليها التجارة العالمية. لذلك فإن أي تطور أمني أو عسكري في المنطقة لا يمكن عزله عن الحسابات الكبرى لكل من واشنطن وبكين وموسكو.
وفي هذا الإطار، أرى أن المواجهة مع إيران تكتسب بعداً يتجاوز الخلاف حول البرنامج النووي أو النفوذ الإقليمي. فإيران أصبحت جزءاً من معادلة التوازنات الدولية الجديدة، سواء من خلال علاقاتها الاستراتيجية مع الصين، أو شراكتها العسكرية والسياسية مع روسيا، أو موقعها الجغرافي الذي يمنحها تأثيراً مباشراً في أمن الطاقة العالمي. ومن ثم، فإن أي حرب عليها ستكون لها تداعيات تتجاوز حدود الشرق الأوسط، لتنعكس على أسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، وحركة التجارة الدولية، واستقرار الاقتصاد العالمي.
الولايات المتحدة تنظر إلى المنطقة باعتبارها إحدى ركائز نفوذها العالمي، وتسعى إلى حماية حلفائها، وضمان أمن الممرات البحرية، ومنع تشكل محور استراتيجي قادر على تقويض النظام الدولي الذي تقوده منذ نهاية الحرب الباردة. أما الصين، فتتبنى مقاربة مختلفة، تقوم على توسيع النفوذ الاقتصادي والاستثماري، وتأمين مصادر الطاقة، وتعزيز الشراكات طويلة الأمد، مع تجنب الانخراط العسكري المباشر، وهو ما يمنحها مساحة أوسع للتحرك في بيئة دولية معقدة.
وفي المقابل، تستثمر روسيا حالة التحول في ميزان القوى لتعزيز حضورها السياسي والعسكري، مستفيدة من رغبة العديد من الدول في بناء نظام دولي أكثر توازناً، لا تهيمن عليه قوة واحدة. وهكذا، لم تعد المنطقة العربية مسرحاً للصراعات الإقليمية فحسب، بل أصبحت جزءاً من المنافسة على صياغة النظام العالمي المقبل.
ومن أبرز نتائج هذه التحولات، ظهور نمط جديد من التحالفات الدولية يقوم على المرونة الاستراتيجية، حيث تتجه الدول إلى تنويع شراكاتها وعدم الارتهان لمحور واحد. فالمعادلات الجديدة لم تعد تُبنى على الاعتبارات العسكرية فقط، وإنما على المصالح الاقتصادية، وأمن الطاقة، ونقل التكنولوجيا، والاستثمار، والأمن الغذائي، والاقتصاد الرقمي.
وفي هذا المشهد، تبرز الدول التي تمتلك سياسة خارجية متوازنة باعتبارها الأكثر قدرة على حماية مصالحها. ويأتي الأردن في مقدمة هذه الدول، مستنداً إلى نهج دبلوماسي يقوم على الاعتدال، والانفتاح، وبناء الشراكات، وتعزيز الاستقرار الإقليمي، بما يحافظ على مصالحه الوطنية ويعزز مكانته كشريك موثوق في محيط إقليمي ودولي شديد التعقيد.
إن فخ ثوسيديديس لا يعني أن المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة والصين أصبحت حتمية، لكنه يؤكد أن العالم دخل مرحلة إعادة توزيع للقوة والنفوذ، وأن الصراعات المقبلة ستدور حول من يملك القدرة على صياغة قواعد النظام الدولي الجديد، وليس فقط حول من يمتلك القوة العسكرية الأكبر.
ولعل السؤال الأهم اليوم لا يتعلق بإمكانية اندلاع حرب عالمية جديدة، بل بكيفية إدارة هذا التنافس، ومن سينجح في تحويله إلى توازن مستدام بدلاً من صدام شامل. فالتاريخ يعلمنا أن الدول العظمى قد تصنع الحروب، لكن الدبلوماسية الرشيدة وحدها هي القادرة على صناعة السلام.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو الحرب على إيران، وما نتج عنها من إعادة تموضع إقليمي ودولي، جزءاً من مشهد أوسع يتمثل في إعادة هندسة التحالفات العالمية، وصياغة خرائط نفوذ جديدة، قد ترسم ملامح النظام الدولي لعقود قادمة، وتحدد طبيعة التوازنات السياسية والاقتصادية والأمنية في الشرق الأوسط والعالم.