facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




بين "جوردان" و"الأردن" .. عندما تتحول المزحة إلى انقسام اجتماعي


رزان عبدالهادي
11-07-2026 04:22 PM

لم تعد عبارة "جوردان" و"الأردن" بالنسبة لكثيرين مجرد مزحة متداولة على منصات التواصل الاجتماعي أو تعبيرًا ساخرًا يُقال في سياقات عابرة. فقد تحولت، مع مرور الوقت، إلى تصنيف غير معلن يقسم الناس وفق أنماط حياتهم ومظهرهم وقناعاتهم الشخصية، وكأن المجتمع الأردني أصبح ينقسم إلى فئتين متقابلتين، لكل منهما صورة نمطية جاهزة.

ففي السنوات الأخيرة، بات من المألوف أن يُوصف من لا ترتدي الحجاب، أو من يؤمن بحق المرأة في العمل، أو من يحب السفر، أو يهتم بالأزياء، أو يستمتع بالحفلات والمطاعم والأنشطة الاجتماعية، بأنه ينتمي إلى "جوردان". وفي المقابل، يُصنَّف من يختار نمطًا مختلفًا من الحياة على أنه يمثل "الأردن". وكأن الانتماء الوطني أصبح مرتبطًا بالمظهر أو بأسلوب العيش، لا بالمواطنة والانتماء الحقيقي لهذا الوطن.

هذه التصنيفات تبدو للبعض مجرد دعابة لا تستحق التوقف عندها، إلا أن المشكلة تكمن في أن المزاح عندما يتكرر باستمرار يتحول إلى ثقافة، والثقافة مع الوقت تُنتج أحكامًا مسبقة، ثم تصبح هذه الأحكام جزءًا من طريقة تعامل الناس مع بعضهم البعض.

المجتمعات لا تُبنى على الصور النمطية، بل على الاعتراف بالتنوع. والأردن، منذ تأسيسه، لم يكن يومًا مجتمعًا أحادي الشكل أو الفكر أو أسلوب الحياة. فقد احتضن أبناءه على اختلاف بيئاتهم وثقافاتهم وعاداتهم، وجمع المدن والقرى والبادية والمخيمات تحت هوية وطنية واحدة، لم تكن يومًا مشروطة بلباس معين أو نمط اجتماعي محدد.

الاختلاف في أسلوب الحياة لا يعني اختلافًا في الوطنية، كما أن الالتزام الديني أو المحافظة الاجتماعية لا يمنح أحدًا حق احتكار تمثيل الأردن، تمامًا كما أن الانفتاح أو الاهتمام بالسفر أو الفنون أو الموضة لا يجعل صاحبه أقل انتماءً لوطنه. فالوطنية تُقاس بالمسؤولية، واحترام القانون، والإخلاص للوطن، والمساهمة في بنائه، وليس بطريقة اللباس أو أماكن قضاء العطلات.

ولا تتوقف آثار هذه التصنيفات عند الداخل فقط، بل تمتد أحيانًا إلى القطاع السياحي، وهو أحد القطاعات التي يراهن عليها الأردن اقتصاديًا وثقافيًا. ففي بعض الأحيان، يتعرض السياح لتعليقات أو انتقادات تتعلق بملابسهم أو أسلوب حياتهم، رغم أنهم يزورون بلدًا عُرف بتنوع منتجه السياحي، الذي يجمع بين السياحة الدينية والعلاجية والثقافية والترفيهية وسياحة المغامرات.

هذا التنوع لم يكن يومًا نقطة ضعف، بل كان مصدر قوة للأردن، لأنه يعكس قدرته على استقبال مختلف الزوار، واحترام اختلاف الثقافات، مع الحفاظ في الوقت ذاته على خصوصية كل منطقة وقيم المجتمع المحلي. فلكل مدينة أردنية طابعها، ولكل وجهة سياحية جمهورها، وهذا ما يمنح الأردن ثراءً لا تناقضًا.

إن أخطر ما في التصنيفات الاجتماعية أنها تدفع الأفراد إلى الدفاع عن هويات مصطنعة لم تكن موجودة أصلًا، فتتحول النقاشات من حوارات حول الأفكار إلى صراعات حول الأشخاص، ومن اختلاف طبيعي إلى استقطاب لا يخدم أحدًا. وفي النهاية، يخسر المجتمع شيئًا من تماسكه، ويصبح الاختلاف سببًا للتباعد بدل أن يكون مصدرًا للتكامل.

لسنا بحاجة إلى تقسيم المجتمع بين "جوردان" و"الأردن"، ولا إلى اختزال الناس في قوالب جاهزة. ما نحتاجه هو ترسيخ ثقافة تقبل الاختلاف، واحترام حرية الآخرين ضمن إطار القانون والقيم العامة، والإيمان بأن الوطن يتسع للجميع، وأن التنوع ليس تهديدًا للهوية الوطنية، بل أحد عناصر قوتها.

فالأردن كان وسيبقى أكبر من أي تصنيف، وأوسع من أي قالب، وهو وطن يجمع أبناءه تحت اسم واحد وهوية واحدة، مهما اختلفت أنماط حياتهم وتوجهاتهم واختياراتهم الشخصية.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :