من أين نبدأ عندما يتكرر السقوط؟
العين الدكتور أمجد الجميعان
12-07-2026 12:33 PM
حين يقف الأهل عاجزين أمام انتكاسة جديدة لولدهم بعد محاولات علاج متكررة للادمان على المؤثرات العقلية / المخدرات ؛ يتملكهم شعور بالقهر والحيرة، ويتساءلون بمرارة عن سبب عدم الاستجابة.
والحقيقة العلمية التي يجب أن يستوعبها المجتمع هي أن "الإدمان المقاوم للعلاج" ليس فشلاً شخصياً ولا ضعفاً في الإرادة، بل هو واقع طبي ينتج عن تغيرات عميقة يُحدثها الإدمان في كيمياء الدماغ ومراكز التحكم باتخاذ القرار. فهذا الخلل البيولوجي يجعل المدمن يفقد السيطرة على سلوكه رغم إدراكه التام للأضرار، ولذلك فإن المريض في جوهره ليس إنساناً سيئ الأخلاق، بل هو شخص يمر بأزمة صحية معقدة تحتاج إلى علاج ورحمة وتفهم مستمر، تماماً كما يحتاج مريض السكري أو الضغط للمتابعة الطبية، مع فارق أن الإدمان يحمل أبعاداً سلوكية واجتماعية تجعل رحلة الشفاء منه أكثر تعقيداً وأطول أمداً.
ولأجل فهم هذا المرض وطبيعة الانتكاسات المتوالية، يجب النظر إلى التداخل العميق بين العوامل النفسية والبيئية؛ فكثيراً ما يكون الإدمان نتيجة لمحاولات ذاتية لعلاج ألم داخلي ناتج عن اضطرابات نفسية كالاكتئاب والقلق، أو اضطرابات نمائية منذ الطفولة لم تُعالج في وقتها مثل فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD)، أو طيف التوحد عالي الأداء الذي يترك صاحبه يعاني في صمت من صعوبة التكيف مع المجتمع. يضاف إلى ذلك البيئة الأسرية المضطربة، سواء بالقسوة الزائدة أو غياب التواصل الدافئ، والتعرض لخبرات إساءة وإهمال في الصغر، ناهيك عن التوقف المبكر عن العلاج أو غياب السند النفسي والاجتماعي بعد الخروج من مراكز العلاج المتخصصة ، وهي كلها عوامل تعيد تغذية السلوك الإدماني من جديد دون قصد.
من هنا يتضح أن الوقاية الحقيقية تبدأ بمتابعة الأبناء منذ الطفولة والتعامل معهم بالاحتواء والإصغاء الصادق، ليكون البيت مساحة آمنة للتعبير عن الأخطاء والمشاعر بدلاً من أن يكون ساحة للمراقبة والتشكيك، ومن هنا تبرز ضرورة الاستثمار في الصحة النفسية للأطفال وتشخيص مشاكلهم مبكراً كخط دفاع أول.
أما عن كسر هذه الحلقة، فهو حهد جماعي مشترك يبدأ بالالتزام بالعلاج الطبي والنفسي المتخصص، ويتكامل مع دور الأسرة التي يجب أن تبتعد تماماً عن اللوم والتقريع، لأن شعور المريض بالعار والعزلة هو الوقود الذي يدفعه للانتكاس مجدداً.
ويتوجب أن يتكامل هذا الدعم الإنساني مع تعزيز الوازع الروحي والأخلاقي من بوابات الرحمة، والسكينة، والاحتواء؛ لتصبح العبادات والصلاة سنداً نفسياً يمنح المريض الطمأنينة والانضباط الداخلي، شرط أن تكون هذه الروحانيات رافداً أساسياً ومكملاً للعلاج الطبي لا بديلاً عنه.
وفي هذا السياق، تبرز الأهمية البالغة لتعزيز دور المساجد والكنائس في ارشاد وتوعية الشباب، من خلال تحويلها إلى منارات للدعم المعنوي والروحي، ومساحات آمنة تمنحهم الشعور بالانتماء، والقيمة، والقبول غير المشروط، مما يقوي مناعتهم النفسية في مواجهة ضغوط الحياة. وفي نهاية المطاف، تكتمل هذه العلاقة بالتوعية المجتمعية التي ترفع وصمة العار عن الإدمان، مما يكسر دائرة الصمت والخوف والخجل ويشجع الأسر على طلب المساعدة مبكراً دون تردد، ليعود المريض في النهاية إلى حضن مجتمعه ومن يحبونه متعافياً ومستقراً.