facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حصّاد أم لقّاط .. الفساد لا يتجزأ


حسان سلطان المجالي
13-07-2026 10:17 AM

من أسوأ ما قيل في محاولة تبرير الفساد أو التخفيف من وطأته على الرأي العام تلك العبارة التي يرددها بعض المسؤولين أو المتورطين في العبث بالمال العام : "أنا لقّاط ورا حصّادين" وهي عبارة لا تحمل في حقيقتها دفاعاً عن النفس بقدر ما تمثل اعترافاً ضمنياً بالمشاركة في الجريمة ، لأن من يلتقط ما تبقى من الغنيمة لا يختلف في جوهر فعله عمن حصدها أولاً ....

في منطق القانون لا توجد براءة تُبنى على مقارنة الفاسد بمن هو أكثر فساداً منه ، ولا يوجد نص قانوني يمنح المخفف التقديري لمن سرق أقل أو نهب أقل أو استغل موقعه الوظيفي بدرجة أدنى من غيره ، فالاعتداء على المال العام والوظيفة العامة والثقة التي أولاها الشعب للحكومات يبقى اعتداء قائم بذاته بغض النظر عن حجمه أو مقداره أو عدد المشاركين فيه ....

هذه العبارة تكشف أزمة أخلاقية وسياسية عميقة ، لأنها تنقل النقاش من سؤال : "هل ارتكبت فساداً ..؟" إلى سؤال آخر مضلل : "هل فسادي أقل من فساد غيري ..؟" ، وكأن المطلوب من المواطنين أن يقارنوا بين اللصوص لا أن يحاسبوا اللصوص جميعاً ، وكأن الخيانة تصبح مقبولة إذا ثبت وجود من هو أكثر خيانة ...!!!

والحقيقة التي يحاول البعض الهروب منها أن الفساد لا يُقاس فقط بحجم الأموال أو الامتيازات أو المنافع التي جرى الاستيلاء عليها ، بل يُقاس أيضاً بحجم الضرر الذي أصاب ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة ، فكل مسؤول استغل منصبه لتحقيق منفعة شخصية أو محاباة أو محسوبية أو مكسب غير مشروع هو شريك في تقويض هيبة الدولة وسيادة القانون سواء كان "حصّاداً" جمع المحصول كله أو "لقّاطاً" اكتفى بما تساقط منه ....

سياسياً ، تشكل هذه العقلية أحد أخطر أسباب تآكل الثقة العامة ، لأنها تحاول تحويل الفساد من فعل مدان إلى مجرد درجات ومفاضلات بين المتهمين ، فعندما يصبح معيار النزاهة هو أن يكون المسؤول أقل فساداً من غيره ، فإننا نكون قد انتقلنا من دولة تحاسب الفاسدين إلى مجتمع يتعايش معهم ويبحث فقط عن ترتيبهم على سلّم الفساد ...

أما وطنياً ، فإن الأمانة العامة لا تتجزأ ، فالذي خانها بألف لا يملك شرفاً أكثر من الذي خانها بمليون ، والذي استغل منصبه لمصلحة خاصة لا يصبح نزيهاً لأن غيره استغل منصبه بصورة أكبر ، فالخيانة لا تُقاس بالكميات ، وإنما بالفعل ذاته ...

لذلك فإن عبارة "أنا لقّاط ورا حصّادين" هي ليست دفاعاً عن النفس ، بل إدانة لها ، وهي ليست نفياً للفساد ، بل اعتراف صريح بالمشاركة فيه ، فالفاسد لا يصبح نزيهاً لأن هناك فاسداً أكبر منه ، كما أن من يلتقط ثمار الفساد لا يختلف في جوهر المسؤولية عمن زرع الفساد ورعاه وحصده ....

وفي النهاية ، لا يسأل القانون : هل كنت حصّاداً أم لقّاطاً ..؟
بل يسأل سؤالاً واحداً لا غير : هل كنت أميناً على الأمانة الوطنية أم خنتها ..؟ وما دام الفعل قد وقع ، فإن اختلاف الأدوار لا يغير من الحقيقة شيئاً ، فالحصّاد واللقّاط يقفان في الصف ذاته ، وكلاهما شريك في الجريمة ذاتها ، وكلاهما خائن للأمانة الوطنية ....

والله المستعان .

* مستشار قانوني





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :