facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




من ستانفورد إلى دبي


د. صالح سليم الحموري
13-07-2026 11:34 PM

لا تسمع في سان فرانسيسكو دويَّ المدافع، ولا ترى قصور الحكم أو عواصم القرار السياسي. ومع ذلك، خرج من هذه البقعة ما غيّر حياة مليارات البشر، وأعاد تشكيل الاقتصاد العالمي، وفرض قواعد جديدة للقوة والنفوذ.

قبل أقل من قرن، لم يكن وادي السيليكون يحمل هذا الاسم. كانت المنطقة تُعرف بـ«وادي القلوب السعيدة»، وتمتلئ ببساتين المشمش والكرز. ولم يكن أحد يتوقع أن تتحول تلك الأراضي الزراعية الهادئة إلى واحد من أهم مراكز الابتكار في تاريخ البشرية.

كانت نقطة التحول الحقيقية عندما قررت جامعة ستانفورد ألا تكتفي بتدريس العلم داخل القاعات، بل أن تربطه بالسوق، وأن تشجع المعرفة على التحول إلى ابتكارات وشركات ومشروعات اقتصادية، لا إلى شهادات تُعلَّق على الجدران فحسب.

وفي خمسينيات القرن الماضي، برز أستاذ الهندسة الكهربائية فريدريك تيرمان، الذي خاطب طلابه بفكرة بدت غريبة في ذلك الزمن:

لا تبحثوا عن وظيفة... بل اصنعوا شركة.

كانت تلك الفكرة الصغيرة هي الشرارة الأولى.

وفي مرآب متواضع، وُلدت شركة «هيوليت باكارد»، ثم انطلقت ثورة أشباه الموصلات، ومنها ظهر اسم «وادي السيليكون». وبعد سنوات، توالت الأسماء التي يعرفها العالم اليوم: Intel وApple وGoogle، ثم عشرات الشركات التي لم تكتفِ بصناعة منتجات جديدة، بل أعادت تعريف طريقة حياة الإنسان وعمله وتواصله.

لكن سر وادي السيليكون لم يكن في الشركات نفسها، بل في الثقافة التي صنعتها.

ثقافة تؤمن بأن الفشل تجربة لا نهاية، وأن المخاطرة استثمار لا مقامرة، وأن الجامعة ليست مؤسسة تعليمية فحسب، بل مصنعًا للأفكار ورواد الأعمال، وأن رأس المال يبحث عن الفكرة قبل أن يبحث عن المبنى.

ومن هذا الوادي لم تخرج الهواتف الذكية وحدها، بل خرجت الثورة الرقمية، والحوسبة السحابية، والتجارة الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، والمنصات التي أصبحت قيمتها السوقية تفوق اقتصادات دول بأكملها.

واليوم، لم تعد المنافسة في وادي السيليكون تدور حول إنتاج هاتف جديد أو تطبيق أكثر ذكاءً، بل حول سؤال أكبر: من سيقود العصر القادم؟

من سيبني أفضل نماذج الذكاء الاصطناعي؟ ومن سيتقدم في الحوسبة الكمية؟ ومن سيمتلك البيانات التي أصبحت من أكثر موارد القرن الحادي والعشرين قيمة وتأثيرًا؟
لقد تغيّر مفهوم القوة. فلم تعد قوة الدول تُقاس بعدد الجنود أو حجم الترسانة العسكرية فقط، بل بعدد العقول التي تحتضنها، وجودة الجامعات التي تبنيها، وقدرتها على تحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية وتأثير عالمي.

إن قصة وادي السيليكون ليست قصة مكان فحسب، بل قصة ثقافة. وهي تذكير بأن أعظم التحولات تبدأ غالبًا بفكرة يؤمن بها شخص، ثم تجد جامعة تحتضنها، وبيئة تسمح لها بالنمو، ورأس مال يثق بها، وسوقًا يمنحها فرصة الاختبار.

وهذا هو النهج الذي يقوده اليوم البروفيسور يوسف العسّاف، رئيس جامعة روتشستر للتكنولوجيا في دبي، من خلال ربط الطلبة، أثناء دراستهم، بمشروعات وتحديات حقيقية بالتعاون مع الشركات والمؤسسات.

وبهذا النهج، لا يعود الطالب متلقيًا للمعرفة فحسب، بل يصبح شريكًا في إنتاج الحلول، واختبار الأفكار، ومعالجة التحديات الواقعية، وصناعة القيمة قبل التخرج. كما لا تبقى الجامعة منفصلة عن السوق، بل تتحول إلى جسر يصل بين المعرفة والاقتصاد، وبين القاعة الدراسية واحتياجات المجتمع والمؤسسات.

فهذه هي الفكرة التي صنعت وادي السيليكون: جامعة لا تكتفي بتخريج الباحثين عن الوظائف، بل تسهم في تخريج صُنّاع الوظائف، ولا تكتفي بمنح الشهادات، بل تساعد على بناء الشركات والقطاعات والاقتصادات.

فالحضارات الحديثة لا تُبنى بالخرسانة وحدها، بل بالأفكار. والاقتصادات الكبرى لا تُصنع بالمصادفة، بل بالاستثمار في الإنسان، وفي التعليم، وفي حرية التجربة، وفي القدرة على ربط المعرفة بالفعل.

وربما يكون أهم درس يقدّمه وادي السيليكون للعالم هو أن المستقبل لا تصنعه الموارد الطبيعية وحدها، بل تصنعه العقول القادرة على تحويل المعرفة إلى أثر، والفكرة إلى مشروع، والمشروع إلى اقتصاد، والابتكار إلى حضارة.

وهنا يبرز السؤال: هل تستطيع دبي أن تصنع واديها الخاص، مستندةً إلى فلسفتها التي لا تكتفي بالتفكير والتخطيط، بل تنتقل مباشرة إلى الفعل والإنجاز؟
هل تفعلها دبي، وهي التي رفعت شعار "دبي الأفعال"Dubai-it، فتحوّل جامعاتها إلى مصانع للأفكار، وطلبتها إلى صُنّاع للحلول، وشركاتها إلى مختبرات حيّة للابتكار، ومدينتها إلى بيئة عالمية تحوّل المعرفة إلى قيمة، والطموح إلى مشروع، والمستقبل إلى واقع؟

الإجابة لا تبدأ بالكلمات، بل بالفعل.
وهذه هي دبي.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :