facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




مع الناقل الوطني بكل قناعة .. ومع الشفافية بلا تنازل


أ.د. عبدالله سرور الزعبي
14-07-2026 12:23 AM

في الأردن، لا يشبه الحديث عن الماء أي حديث آخر؛ فهو ليس شأناً يتعلق بمنسوب سدٍّ أو خزان، بل بقدرة دولة بأكملها على الاستمرار وسط جغرافيا لا ترحم وإقليم لا يهدأ. أحد عشر حوضاً من أصل اثني عشر يئنّ تحت وطأة الاستنزاف، وعجزٌ سنوي يقارب 410 ملايين متر مكعب، وإجمالي ما هو متاح من المياه، لا يتجاوز 1.190 مليار متر مكعب.

من قلب هذا الواقع القاسي، وبعد أن اصطدم مشروع البحر الأحمر-الميت بجدار التعقيدات السياسية، وكان من شأنه توفير 570 مليون متر مكعب من المياه المحلاة للاردن في كافة مراحله، وبعد رحلة طويلة من الجهد الوطني تمتد من المسح الجاذبي عام 1996، إلى المسح المغناطيسي والزلزالي لوادي عربة عام 2003، وصولاً إلى دراسات تفصيلية لخليج العقبة والبحر الميت عام 2006 و2008، التي أشرفت عليها شخصياً، وغيرها من دراسات الوزارة المختلفة، وُلدت داخل الدولة فكرة الناقل الوطني، كضرورة استراتيجية أملتها الظروف الجيوسياسية، وأوجبها توجيه الملك للحكومات المتعاقبة باعتباره ضرورة وطنية استراتيجية لا خيار من بين الخيارات.

ومن هذا المنظور، فإن جوهر مشروع الناقل الوطني لا يكمن في إضافة 300 مليون متر مكعب فحسب، بل في نقل الأردن من دولة أسيرة لشح الموارد إلى دولة تحد من هشاشتها الجيوسياسية، وترسخ ركناً أساسياً من أركان السيادة والاستقرار. غير أن قيمة المشروعات الاستراتيجية لا تُقاس بضخامة أرقامها، بل بجودة حوكمتها. فمن حق المواطن معرفة تفاصيل الكلفة الحقيقية، والالتزامات المالية، التي قد تمتد للأجيال القادمة، لأن الشفافية ليست ترفاً، بل شرطاً لحماية ألامن الوطني.

وانطلاقاً من هذه الرؤية، سبق وان وصفت المشروع بأنه "سيادي عميق" ينقل الأردن من موقع "المقيَّد" إلى "الفاعل شبه المستقل" (في ندوة مركز الدراسات الاستراتيجية -الجامعة الاردنية، ونشرته الاعلامية إيمان الفارس في الغد 10/5/2026). فالدول اليوم لا تُقاس بما تمتلكه من مياه، بل بقدرتها على إنتاج المياه، وتحليتها، وإعادة استخدامها، وإدارة الطلب عليها عبر منظومات ذكية ومستدامة.

إلا أن تتبع التصريحات الرسمية خلال السنوات الأخيرة يثير أسئلة جوهرية، ما تزال بلا إجابات واضحة؛ وطرحها لا يستهدف التشكيك بجهود الوزارة، بل ترسيخ الثقة، لأن المشاريع السيادية لا يحميها الخطاب العام، بل تحميها الشفافية الرقمية الكاملة. ومن هنا تبدأ الحاجة إلى تفكيك الأرقام الرسمية، سؤالاً بعد آخر، وصولاً إلى صورة واضحة يمكن للجميع فهمها:

أولاً: أي حصة للفرد ستتحقق فعلاً؟ تتحدث الوزارة عن رفع حصة الفرد من 60 إلى 150 م³ سنوياً (منشور 5/7/2026)، وبذات الخبر إلى 110 أمتار. ، بينما يشير التصريح الحكومي عقب توقيع الاتفاقية الفنية والقانونية في 21/4/2026 إلى رفعها من 60 إلى 110 م³، وهو الذي سنعتمده. لكن إذا قُسمت الكمية المتاحة من المياه حالياً (حوالي 1.190 مليار م³) على عدد السكان البالغ 12 مليون نسمة، فإن حصة الفرد الإجمالية لجميع القطاعات لا تتجاوز 99 م³ سنوياً. وبما أن الوزارة تؤكد أن الزراعة تستهلك نحو 50% من المياه، وحتى بافتراض غير واقعي أن 50% المتبقية (595 مليون م³) مخصصة بالكامل للاستخدامات المنزلية مع إغفال بقية القطاعات، فإن حصة الفرد المنزلية لا تزيد عن 50 م³ سنوياً، وتنخفض إلى نحو 30 م³ بعد احتساب الفاقد المائي، الذي يتجاوز 40% وفق بيانات الوزارة. فأي الأرقام سنعتمد؟ وما سنة الأساس التي استندت إليها الوزارة في احتساباتها؟
ثانياً: كيف تنخفض الكلفة وترتفع في آن واحد؟ تؤكد الوزارة أن مفاوضاتها خفّضت كلفة المشروع 2.5 مليار دولار، ما يعني أن التقدير الأولي بلغ نحو 8.3 مليار دولار، بينما ارتفعت الكلفة المعلنة رسمياً من نحو 3.66 مليار دولار عام 2023 إلى نحو 5.8 مليار دولار، أي بزيادة 2.1 مليار دولار. وإن كان انجاز التخفيض حقيقياً، فمن حق الرأي العام أن يفخر به، شريطة أن يُعرض بنداً بنداً، لا رقماً إعلامياً عصياً على التحقق. فمن حقنا ان نعرف من أعدّ التقدير الأولي، وما مكوناته؟ وهل تحقق التخفيض بإعادة تصميم المشروع، أم بإعادة هيكلة التمويل، أم بتعديل توزيع المخاطر وشروط التعاقد؟ في المقابل، هل تعود الزيادة، وفق بيان الوزارة بتاريخ 5/7/2026، إلى التضخم وأسعار الطاقة وكلف محطة التحلية وكلف التمويل فقط، أم أيضاً إلى تغييرات في التصميم، وأسعار الحديد، وأقطار الأنابيب وسماكاتها ومسارها؟ وما الأثر المالي لكل عنصر؟ إن عرض هذه التفاصيل بنداً بنداً ليس ترفاً فنياً، بل استحقاقاً أساسياً للشفافية.


ثالثاً: أين المصطلح الموحّد للكلفة؟ يتداول الخطاب الرسمي ثلاثة مفاهيم دون تمييز واضح: الكلفة الرأسمالية، والكلفة الرأسمالية مع الفوائد، والكلفة الكلية طوال فترة الامتياز البالغة 26 عاماً، وهو ما قد يفسر الفارق بين تصريح وزاري بنحو 6 مليارات دولار وآخر حكومي بنحو 3 مليارات دولار خلال أقل من أسبوعين. وهنا لا بد من الاجابة عن الرقم الدقيق للكلفة الرأسمالية وحدها؟ وكلفة التمويل والفوائد منفردة؟ وما الكلفة الإجمالية طوال فترة الامتياز؟ وهل تلتزم الوزارة بنشر هذه الأرقام الثلاثة معاً عبر جهة رسمية واحدة توحّد الخطاب؟

رابعاً: أين نقف قياساً بالتجارب العالمية؟ تنتج محطة أم الحول 300 مليون م³ سنوياً بكلفة تقارب مليار دولار، ومحطة الطويلة 330 مليون م³ بكلفة 874 مليون دولار، فيما ستنتج محطة الدار البيضاء 300 مليون م³ بنحو 887 مليون يورو. وفي المقابل، تقترب كلفة عناصر الناقل الوطني مجتمعة من 3.55 مليار دولار وفق بعض المسؤولين السابقين، وهي قريبة من 3.66 مليار دولار بحسب الوزير السابق. ورغم أن ضخ المياه لمسافة 450 كيلومتراً وبارتفاع 1100 متر فوق سطح البحر يمثل تحدياً هندسياً استثنائياً، فإن ذلك لا يغني عن نشر مقارنة معيارية رسمية توضح كلفة كل بند على حدة: محطة التحلية، والأنابيب، ومحطات الضخ، ومحطة الطاقة، والأعمال اللوجستية، وخط النقل، والتضخم، وكلف التمويل.


خامساً: كم ستدفع الخزينة صافياً؟ انخفضت كلفة إنتاج المتر المكعب لقطاع المياه من 2.60 دينار قبل عشر سنوات إلى 1.90 دينار اليوم، بحسب الناطق الإعلامي للوزارة في مركز الدراسات الاستراتيجية، فيما يبلغ السعر التأشيري لمياه الناقل 2.7 دولار بعد خفضه من 3 دولارات بفضل مساهمة المانحين والخزينة. وقد وردت مساهمة الخزينة مرة 722 مليون دينار وأخرى 722 مليون دولار، بينما نعتمد منشور رئاسة الوزراء، 722 مليون دولار من الخزينة، و663 مليون دولار منحاً، إضافة إلى تمويل 29 مؤسسة دولية بنحو 2.9 مليار دولار، وهو ما يعكس ثقة العالم بالأردن بقيادة الملك، ومساهمة البنوك المحلية بـ1.1 مليار دولار، وصندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي بنسبة 15% دون بيان ما إذا كانت من إجمالي 4.3 أم 5.8 مليار دولار. ومع ذلك، يبقى السؤال: كم ستدفع الدولة فعلياً وصافياً طوال فترة الامتياز؟ وما حجم التمويل الميسّر مقابل القروض التجارية؟ وما أثر ذلك على الدين العام والتصنيف الائتماني، والكلفة الكاملة للمتر المكعب الواحد؟

سادساً: أي سعر سيُعتمد عند الفوترة الحقيقية؟ إذا كانت الكلفة الفعلية طويلة الأمد، بعد احتساب التضخم، وخدمة الدين، والفاقد المائي، وكلف النقل والتوزيع، قد تتجاوز 4 دولارات للمتر المكعب، وبحسب مسؤول سابق في المياه، قد تصل إلى 5 دولارات، فأي رقم سيُعتمد عند الفوترة؟ وهل الدعم الحالي دائم أم مرحلي؟ ومن سيتحمل الفارق؟ الخزينة أم المشترك أم كلاهما بنسب معينة؟ ونحن نعلم بان تعرفة المياه سترتفع مستقبلاً، ولكن بأي نسبة؟ هذه إجابات يجب أن تكون واضحة ومعلنة، لا أن تُترك للتخمين.
سابعاً: أي هدف لخفض الفاقد المائي؟ حققت الوزارة إنجازاً يستحق الإشادة بخفض الفاقد 10% خلال عامين، ما وفّر اكثر من 50 مليون متر مكعب، تعادل الكميات الإضافية المستوردة من إسرائيل، فتخفف بذلك الضغط السياسي المرتبط بتجديد الاتفاقية الاضافية لعام 2021. لكن الهدف النهائي غير موحّد؛ فبيان الوزارة يتحدث عن خفض الفاقد إلى 35% مع بداية المشروع و25% عام 2040، بينما تشير خطة استراتيجية أخرى إلى هدف أكثر طموحاً 20% في العام نفسه. فأي الهدفين معتمد رسمياً؟ علماً أن كل تخفيض يعني ملايين الدولارات، ويساهم في تخفيف الضغط السياسي على الأردن؟

ثامناً: أين النمو السكاني من حسابات الكفاية؟ تؤكد الوزارة أن المشروع سيغطي 40% من احتياجات المملكة حتى 2040، عبر رفع المياه المتاحة من نحو 1.190 إلى 1.490 مليار م³ عام 2030، وإضافة 200 مليون م³ من المياه المعالجة، ليصبح الإجمالي 1.690 مليار م³. لكن الوزارة نفسها تؤكد، في ندوة مركز الدراسات الاستراتيجية، أن النمو السكاني يعادل إضافة "مدينة جديدة" من المشتركين كل عام. ومع معدل نمو طبيعي يقارب 1.7%، يُتوقع أن يبلغ عدد السكان نحو 15 مليون نسمة عام 2040، ما يعني أن حصة الفرد لن تتجاوز نحو 110 م³ سنوياً لجميع القطاعات، وأقل من 60 م³ للاستخدامات المنزلية (مع عدم احتساب الفاقد المائي)، وتنخفض إلى أقل من 50 م³ بافتراض ان الفاقد المائي وصل الى النسبة الطموحة 20%، وذلك في ظل عدم إلاعلان عن أي مصادر مائية إضافية في السنوات المقبلة. فهل يمكن توضيح نسبة التغطية سنه فسنة مع الاخذ بعين الاعتبار نسبة الفاقد والنمو السكاني، وهل سنعيد قراءتنا للارقام قبل الاعلان عنها؟

تاسعاً: عبء مالي مقابل استثمار وطني؟ تصف الوزارة المشروع بأنه استثمار وطني (ونحن نتفق معها بالكامل)، وفي ذات الوقت تقول بانه لا يشكل عبئاً على المدى المتوسط والطويل، بينما تقر، بأن مديونية قطاع المياه تشكل اليوم 12% من الدين العام، وقد تبلغ 15 مليار دينار مع نهاية المشروع (لا يستطيع أحد التنبؤ بنسبتها من الدين العام 2030، والذي هو في ارتفاع)، ما لم تُنفَّذ إصلاحات جذرية في التعرفة وكفاءة الإنفاق وكلف الطاقة. فما تفاصيل هذه الإصلاحات؟ وما نسب مساهمة الخزينة والمشترك او الجهات المانحة في تغطية العبء سنوياً؟ وما العائد الاقتصادي الكمي المتوقع من نمو الناتج المحلي وفرص العمل الذي يوازن هذا العبء؟ الامر يتطلب نشر ذلك بوضوح تام.
ويبقى سؤال الحوكمة فوق كل الأسئلة. فحين تتباين الأرقام بين وزير سابق وحالي، أو بين مسؤولين خلال فترات متقاربة، فإن الحل ليس تجاهل الفوارق، بل عقد لقاء رسمي علني يضم الوزيرين ومسؤولي المشروع لشرح منهجية كل رقم أمام المواطنين مباشرة، بلا وسيط ولا تأويل. والخطر أن تُصنَّف هذه الأسئلة المالية والهندسية البحتة ضمن "المعلومات المضللة"، بينما هي أسئلة مشروعة تُطرح في كل دولة قوية بمؤسساتها، والأردن واحدة منها بقيادة الملك ومتابعة ولي العهد. فالدول القوية لا تخشى الأسئلة، بل تجيب عنها بثقة.

وفي الختام، نقف جميعاً خلف التوجيهات الملكية الداعمة لهذا المشروع، ونؤمن بأنه استحقاق وطني وتاريخي ينقل الأردن من "إدارة الندرة" إلى "صناعة القدرة". لكن نجاح أكبر مشروع في تاريخ المملكة لا يقاس بضخامة أرقامه، بل بقدرة مؤسسات الدولة على تقديم كشف حساب وطني واضح؛ فالمال مال الأردنيين، والدين ستتحمله الأجيال الحالية، وتلك التي لم تولد بعد، ومن حقها أن تسمع رقماً واحداً ورواية واحدة بصرف النظر عمن يتحدث ومتى. وهذا هو جوهر رؤية الملك في الشفافية والحوكمة والمساءلة، وكلنا ثقة بأن رئيس الوزراء سيحسم هذا التباين الرقمي (لا ان تبقى موضع تأويل من وزير او مسؤول لاخر)، لأن الدول تُبنى بالثقة، والثقة بالشفافية، والشفافية بالحقيقة الكاملة التي تكشف تكلفة كل بند من بنود المشروع.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :