حين يرعى وليُّ العهدِ الفكرةَ .. وتحتضن الجامعةُ الأردنيةُ المستقبل
بهاء الشنتير
16-07-2026 11:36 AM
ليست الأمم العظيمة تلك التي تُحصي ما تملك من موارد، بل تلك التي تُحسن استثمار ما تملك من عقول. وليس المجد في هذا العصر لمن يملك الثروة فحسب، بل لمن يصنع المعرفة، ويقود الابتكار، ويؤمن بأن الإنسان هو الاستثمار الأسمى والأبقى.
ومن هذا المعنى العميق، تكتسب رعاية نائب جلالة الملك، سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، لإطلاق فعاليات ملتقى الأساتذة الفخريين الثالث بعنوان «دور الجامعات في قيادة منظومة الابتكار الوطنية»، وافتتاح دارة العلوم والشركات الناشئة في الجامعة الأردنية، دلالات تتجاوز حدود المناسبة، لتجسد رؤية وطنية تؤمن بأن المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع بالعلم والمعرفة والإبداع.
فحين يحضر ولي العهد، لا يحضر بوصفه راعيًا لفعالية فحسب، بل بوصفه حاملًا لرسالة جيلٍ كامل يتطلع إلى الغد بثقة وإرادة؛ جيلٍ يؤمن بأن المعرفة قوة، وأن الابتكار ضرورة، وأن الشباب ليسوا جزءًا من المستقبل فحسب، بل هم صُنّاعه الحقيقيون.
وقد رسّخ سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني حضوره في الوجدان الوطني والعربي بوصفه نموذجًا للقيادة الشابة التي تجمع بين أصالة الانتماء وحداثة الرؤية، وتستند إلى إرث هاشمي عريق جعل من الإنسان محور التنمية وغايتها، ومن بناء القدرات الوطنية أساسًا لصناعة المستقبل.
ولعل ما عبّر عنه سمو ولي العهد عبر حسابه على منصة إنستغرام عقب حضوره الملتقى، يختصر جوهر هذه الرؤية، حين قال: «من رحاب الجامعة الأردنية اليوم… سعدت بحضور ملتقى الأساتذة الفخريين الثالث وافتتاح دارة العلوم والشركات الناشئة التي تجمع الباحثين والأكاديميين والقطاع الخاص لتوفير بيئة للابتكار والريادة».
فكلمات سموه لم تكن مجرد وصف لمشهد أكاديمي، بل رسالة تؤكد أن الابتكار لا يولد من طرف واحد، وإنما من تكامل العقول والخبرات؛ من الجامعة التي تنتج المعرفة، والباحث الذي يطورها، والقطاع الخاص الذي يحولها إلى فرص ومشاريع وإنجازات تخدم الوطن واقتصاده ومستقبله.
وفي قلب هذا المشهد تقف الجامعة الأردنية شامخةً كقلعة للعلم، وصرح وطني حمل منذ تأسيسه رسالة الدولة الأردنية في بناء الإنسان. فهي ليست جامعة كسائر الجامعات، بل الجامعة الأم؛ المؤسسة التي شكّلت الوعي الأكاديمي الأردني، وخرّجت أجيالًا من القادة والعلماء والمفكرين والأطباء والمهندسين والأدباء، وأسهمت في بناء الأردن الحديث، كما رفدت العالم العربي بكفاءات تركت بصماتها في مختلف الميادين.
لقد كانت الجامعة الأردنية، على الدوام، أكثر من حرم أكاديمي؛ كانت مشروع وطن. فمن بين أروقتها خرجت قصص النجاح الأردنية، ومنها انطلقت مسيرة التميز العلمي التي جعلت اسم الأردن حاضرًا في المحافل العلمية والبحثية. وما تزال، رغم تعاقب العقود، مرجعية علمية وفكرية وثقافية تجسد جوهر رسالة التعليم العالي الأردني.
وفي عهد يشهد تحولات متسارعة في المعرفة والتكنولوجيا، تواصل الجامعة الأردنية ترسيخ دورها الريادي بقيادة رئيسها الأستاذ الدكتور نذير عبيدات، الذي حمل مسؤولية المؤسسة بروح العالم ورؤية القائد. فقاد مسيرة التحديث والتطوير، وعمل على تعزيز مكانة الجامعة في ميادين البحث العلمي والابتكار والريادة، إيمانًا منه بأن الجامعات الكبرى لا تُقاس بعدد مبانيها أو طلبتها، بل بما تنتجه من معرفة، وما تصنعه من أثر، وما تقدمه للوطن من حلول وأفكار وفرص.
ومن هنا تأتي أهمية ملتقى الأساتذة الفخريين الثالث، الذي يطرح قضية تُعد من أهم قضايا القرن الحادي والعشرين: دور الجامعات في قيادة منظومة الابتكار الوطنية. فالعالم اليوم يشهد سباقًا محمومًا نحو امتلاك المعرفة وتحويلها إلى قوة اقتصادية وتنموية. ولم تعد الجامعات مجرد مؤسسات تمنح الشهادات، بل أصبحت مصانع للأفكار، وحواضن للمواهب، ومراكز لصناعة المستقبل.
وعلى المستوى المحلي، يمثل هذا الملتقى محطة استراتيجية لتعزيز دور الجامعات الأردنية في بناء اقتصاد المعرفة، وربط البحث العلمي باحتياجات التنمية الوطنية، وتمكين الشباب من أدوات المنافسة والإبداع. أما عربيًا، فإنه يقدم نموذجًا لدور الجامعات في قيادة التحول نحو مجتمعات أكثر قدرة على الابتكار والإنتاج. وعالميًا، فإنه ينسجم مع الاتجاهات الحديثة التي تجعل من الجامعة شريكًا أساسيًا في صناعة التقدم العلمي والتكنولوجي.
ويأتي افتتاح دارة العلوم والشركات الناشئة ليترجم هذه الرؤية إلى واقع ملموس؛ فالأفكار العظيمة لا يكفي أن تولد، بل تحتاج إلى بيئة تحتضنها، ومؤسسات تؤمن بها، وشباب يمتلكون القدرة على تحويلها إلى إنجازات. فهي مساحة تلتقي فيها المعرفة بالطموح، والبحث العلمي بريادة الأعمال، والحلم بالفعل.
إن اجتماع ولي العهد والجامعة الأردنية والابتكار في مشهد واحد ليس حدثًا عابرًا في روزنامة المناسبات الوطنية، بل لوحة أردنية مكتملة المعنى؛ عنوانها الإيمان بالإنسان، ومضمونها الاستثمار في العقل، ورسالتها أن الأردن، بقيادته الهاشمية الحكيمة، لا يكتفي بمواكبة المستقبل، بل يسعى إلى صناعته.
وهكذا تمضي الجامعة الأردنية، أم الجامعات ومنارة العلم الأولى، في أداء رسالتها التاريخية، مستندة إلى إرثها العريق وطموحها المتجدد. ويمضي سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد في حمل راية المستقبل، مؤمنًا بأن الأمم تُبنى بالعقول قبل البنيان، وأن الابتكار ليس ترفًا فكريًا، بل قدر الأمم التي تريد أن تترك أثرًا في التاريخ.
وفي الأردن، حيث يلتقي المجد الهاشمي بعراقة المؤسسات الوطنية، تبقى المعرفة وعدًا، والابتكار طريقًا، والإنسان الأردني الحكاية الأجمل التي تستحق أن تُروى للأجيال.