لماذا كان يرى ليندسي غراهام العالم من فوهة البندقية؟
رجا طلب
16-07-2026 05:09 PM
في السياسة، لا تُفسَّر المواقف دائمًا بالمصالح وحدها، ولا تُقرأ القرارات من خلال الوقائع العسكرية أو الحسابات الانتخابية فقط، بل إن خلف كل خطاب متشدد بنية نفسية وفكرية تصوغ طريقة صاحبها في فهم العالم ، ومن هنا يصبح من المشروع أن نتساءل: لماذا يبدو بعض الساسة وكأنهم لا يرون في النزاعات إلا الحلول العسكرية، ولا يعترفون إلا بمنطق القوة، ولا يجدون في الحرب سوى أداة طبيعية لإدارة السياسة؟
يُعد ليندسي غراهام الذي توفى في ظروف غامضة الاسبوع الماضي أحد أبرز النماذج التي تجسد هذا النمط في الحياة السياسية الأمريكية ، فمنذ سنوات كان لدى غراهام وصفة جاهزة لمواجهة الازمات السياسية اما بفرض العقوبات او استخدام القوة العسكرية، وفي المقابل، بدا حضوره محدودًا عندما يتعلق الأمر بالحلول السياسية أو التسويات التي تعالج جذور الصراعات ، وليس المقصود هنا إصدار حكم نفسي على الرجل الذي رحل عن عالمنا ، بقدر ما هي محاولة لفهم بنيته العقلية و النفسية في ضوء ما قدمه علم النفس السياسي من نماذج تفسيرية.
فقد قدم عالم الاجتماع والفيلسوف الالماني – الاميركي ثيودور أدورنو في كتابه الشهير مفهوم " الشخصية السلطوية"، توصيفا لهذه الشخصية حيث اشار الى انها تميل إلى رؤية العالم من خلال ثنائية حادة: خير وشر، أصدقاء وأعداء، وتفضّل الحسم والقوة على الحوار والتسويات.
ثم جاء عالم النفس الكندي بوب ألتماير، وطور هذا المفهوم فيما عرف بـ"السلطوية اليمينية" ، حيث أظهرت أبحاثه أن الأفراد الذين ترتفع لديهم هذه النزعة يكونون أكثر استعدادًا لتأييد استخدام القوة، والعقوبات الصارمة، والحلول العسكرية لاعتقادهم أنها تحمي الأمن أو النظام أو الدولة ، كما بينت دراسات لاحقة وجود ارتباط بين ارتفاع النزعة السلطوية وزيادة التأييد للخيارات العسكرية في إدارة الأزمات، خصوصًا عندما يُصوَّر الخصم بوصفه تهديدًا وجوديًا.
اما عالم النفس ألبرت باندورا فيضيف بعدًا آخر من خلال نظريته حول "الانفصال الأخلاقي" فبحسب باندورا، يستطيع الإنسان أن يعيد تعريف الأفعال العنيفة أو المؤذية باعتبارها ضرورية أو حتى أخلاقية إذا اقتنع بأنها تخدم قضية أكبر ، ومن أبرز آليات هذا الانفصال: التبرير الأخلاقي للعنف، والتقليل من معاناة الضحايا، ونقل المسؤولية إلى الظروف أو المؤسسات، وتجريد الخصم من إنسانيته ، وهذه الآليات لا تقتصر على الأفراد، بل تظهر أيضًا في الخطابات السياسية التي تبرر الحروب أو تتجاهل آثارها الإنسانية.
وانطلاقا من هذه الخلفية النفسية يمكن فهم خطاب غراهام المعادي لحقوق الانسان الفلسطيني والانحياز الاعمى للاحتلال الاسرائيلي ، فعندما يُختزل الصراع في معادلة أمنية مجردة، ويتراجع الحديث عن الحقوق الإنسانية والقانون الدولي، تصبح القوة هي اللغة الوحيدة، بينما تتحول معاناة المدنيين إلى تفصيل ثانوي أو "ثمن لا بد منه". وهنا لا تعود السياسة بحثًا عن حلول، بل تصبح امتدادًا للحرب بوسائل مختلفة.
غير أن طبيعة الشخصية وحدها لا تفسر كل شيء؛ فالسياسي ابن بيئته أيضًا ، ففي واشنطن، تلعب الحسابات الانتخابية، والهوية الحزبية، والتحالفات، وجماعات الضغط، والثقافة الأمنية الأمريكية، دورًا مهمًا في دفع بعض السياسيين إلى تبني خطاب أكثر تشددًا، بل وقد تكافئهم جماهيريًا وسياسيًا على ذلك ، وهكذا تتداخل السمات النفسية مع البيئة السياسية لتنتج خطابًا يرى العالم من منظور الصراع الدائم.
إن أخطر ما في هذا النمط من التفكير أنه يحول القوة من وسيلة إلى عقيدة ، فعندما يصبح العالم في نظر السياسي مجرد ساحة مواجهة بين الخير المطلق والشر المطلق، تضيق مساحة الدبلوماسية، وتتراجع فرص التسوية، ويغدو كل تنازل خيانة، وكل دعوة إلى وقف الحرب ضعفًا، وكل حديث عن حقوق الإنسان ترفًا سياسيًا، وهذه هي العقلية التى تحكم البيت الابيض حاليا .
ولعل التاريخ الحديث يقدم دروسًا بالغة الدلالة في دحض عقيدة القوة المفرطة ، فمن فيتنام إلى العراق وأفغانستان، أثبتت التجربة أن التفوق العسكري لا يضمن تحقيق الأهداف السياسية، وأن القوة، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها صناعة سلام دائم أو فرض استقرار مستدام ، فالسلام لا يُبنى بالقوة وحدها، بل بالعدالة والاعتراف المتبادل والقدرة على رؤية الإنسان قبل رؤية العدو.
ومن هنا، فإن قراءة شخصيات سياسية مثل ليندسي غراهام ليست محاولة لتشخيص أصحابها نفسيًا، وإنما لفهم نمط فكري وسياسي يتكرر في أماكن مختلفة من العالم، ويمنح القوة مكانة تتجاوز كونها أداة لتصبح فلسفة حكم ، وعندما تتحول القوة إلى اللغة الوحيدة في السياسة، يصبح العالم أكثر اضطرابًا، وتصبح فرص السلام أكثر بعدًا، ويغدو الإنسان، مرة أخرى، الضحية الأولى لكل أشكال التشدد.
هذه ليست فلسفة ليندسي غراهام فحسب بل هي فلسفة اليمين الانجيلي الاميركي الذي يرى العالم كله من فوهة بندقية .
قناة الغد