حبُّ عبد العزيز .. حين كانت القناعة أدسم وجبة
محمد مطلب المجالي
21-07-2026 09:27 AM
عندما كنا طلابًا في المدارس، كنا نعود بعد الظهر إلى البيت، فلا نجد على المائدة أكثر من شوربة عدس، أو مشوطة، أو بطاطا وبندورة منزّلة. أما الدجاج فكان ضيفًا أسبوعيًا لا يحضر إلا يوم الجمعة، واللحم كانت زيارته موسمية، مرة كل بضعة أشهر، بحسب قدرة الناس ودخولهم، إلا من وسّع الله عليهم.
وكان أحدنا إذا نظر إلى الطعام بعين المتذمر، أو أعلن إضرابه عن الغداء، جاءه صوت الوالد، رحمه الله، وهو يحسم الجدل بجملة واحدة:
"هسّا بجيبلك حب عبد العزيز... ما خاس عليك إلا بازيلا."
فنلتزم الصمت، فلا نعرف من هو عبد العزيز، ولا ما هو حبّه، ولا لماذا كانت البازيلاء سلاحًا تربويًا يخشاه الأطفال أكثر من العصا!
ومرت السنوات...
عرفنا البازيلاء، فإذا بها اليوم مكدسة في الأسواق، والخمسة بدينار، أما حب عبد العزيز فما زال مجهول الهوية، لم أعثر عليه حتى الآن، وربما لن أعثر عليه أبدًا. وأغلب الظن أنه لم يكن نباتًا ولا حبوبًا، بل كان اسمًا اخترعه الآباء ليقنعوا أبناءهم بأن الجائع لا يفاوض، وأن الموجود نعمة تستحق الحمد.
ثم تبدلت الأيام...
فصرنا في زمن المحمّر والمشمّر، والبيتزا، والهامبرغر، والدجاج المقرمش، والستيك، والسوشي، والباستا، وأطباق لا تعرف إن كانت طعامًا أم أسماء فرق موسيقية!
وأصبحت موائد بعض الناس تحتاج إلى دليل استخدام، بينما كانت موائدنا لا تحتاج إلا إلى عبارة: "سمّوا بالله."
والمفارقة أن الموائد كبرت، والبطون امتلأت، لكن البركة صغرت، والرضا تراجع، حتى أصبح بعضهم يقف أمام عشرات الأصناف، ثم يقول: "والله ما في إشي ينأكل!"
رحم الله آباءنا... أولئك الذين أفنوا أعمارهم في حراثة الأرض، ورعي الأغنام، وتربية المواشي، وملاحقة الرزق بين الحقول والوديان. كانوا يعودون وثيابهم تحمل غبار الأرض، لكن بيوتهم كانت عامرة بالرضا، وقلوبهم مفعمة باليقين أن الله يبارك بالقليل إذا صلحت النيات.
لم يورثونا حسابات مصرفية، ولا فللًا، ولا أسهمًا في الشركات، لكنهم ورثونا ما هو أغلى من ذلك كله: أن اللقمة الحلال أشهى من أفخر الولائم، وأن البركة لا تُقاس بعدد الأطباق، بل بصدق الكسب، واجتماع الأسرة، وحمد الله على الموجود.
وكانوا يؤمنون، عن تجربة لا عن تنظير، أن القناعة هي أدسم وجبة، وأن الرضا هو ألذُّ إدام، وأن البركة إذا حضرت شبع الجميع، وإذا غابت فلن تكفي مائدةٌ تمتد من أول البيت إلى آخره.
واليوم، كلما رأيت البازيلاء مكدسة في الأسواق، ابتسمت، وتذكرت والدي وهو يقول: "هسّا بجيبلك حب عبد العزيز." وأدركت أنني لم أكن أبحث طوال هذه السنين عن حب عبد العزيز، بل كنت أبحث عن زمنٍ كانت فيه البركة تسكن البيوت، وكانت القناعة... أدسم وجبة على المائدة.