facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حوافز أعضاء هيئة التدريس .. قرار قصير النظر يهدد تنافسية التعليم العالي


أ. د. هاني الضمور
21-07-2026 10:17 AM

لا ينبغي قراءة التراجع الذي حدث في مجلس النواب عن احتساب عوائد برامج الدراسات العليا والبرامج الخاصة والاتفاقيات ضمن الوعاء المالي المخصص لحوافز العاملين في الجامعات الرسمية باعتباره تعديلاً فنياً محدود الأثر. فالقضية تتجاوز إعادة توزيع بعض الإيرادات، وتمس في جوهرها فلسفة الدولة في إدارة التعليم العالي، وموقع عضو هيئة التدريس في هذه المنظومة، وقدرة الجامعات الأردنية على الاحتفاظ بكفاءاتها في سوق أكاديمية شديدة التنافس.

لقد اتخذ النقاش النيابي مساراً لافتاً. فقد وافق مجلس النواب في مرحلة أولى على توسيع مصادر احتساب الحوافز لتشمل عوائد برامج الدراسات العليا، وهو توجه كان أكثر انسجاماً مع طبيعة العمل الأكاديمي ومع الأعباء التي يتحملها أعضاء هيئة التدريس في التدريس والإشراف والبحث العلمي. إلا أن المجلس عاد في نهاية الجلسة إلى فتح المادة من جديد، ثم تراجع عن قراره السابق، وانتهى إلى حصر الحوافز في الرسوم المحصلة من البرنامج الموازي والبرنامج الدولي لمرحلة البكالوريوس، مع استبعاد عوائد الدراسات العليا والدراسة الخاصة وبرامج الاتفاقيات.

هذا التراجع لا يمكن عزله عن تمسك الحكومة بالنص الأكثر تقييداً، ولا عن دفاعها المستمر عن ضرورة ضبط النفقات وحماية موازنات الجامعات. ومع أن المصادر العلنية لا تقدم دليلاً حاسماً يثبت ممارسة ضغط حكومي مباشر على النواب، فإن تسلسل الأحداث يسمح بالقول إن الموقف الحكومي كان عاملاً مؤثراً في إعادة فتح المادة والعودة إلى الصيغة التي تحد من مصادر الحوافز. ومن الناحية السياسية، فإن تراجع المجلس عن قرار اتخذه قبل وقت قصير داخل الجلسة نفسها يثير تساؤلاً مشروعاً حول استقلالية القرار التشريعي، وحول الأسباب التي جعلت الأغلبية تعيد النظر في موقفها بهذه السرعة.

من حق الحكومة أن تقلق على الاستقرار المالي للجامعات، ومن واجبها أن تمنع الإنفاق غير المنضبط، لكن السياسة المالية الرشيدة لا تبدأ بتقليص الأدوات التي تساعد الجامعات على الاحتفاظ بعقولها. فعضو هيئة التدريس ليس بنداً محاسبياً يمكن خفض كلفته دون نتائج استراتيجية، وإنما هو العنصر الذي تتحدد من خلاله جودة التعليم، وقوة البحث العلمي، ومستوى الاعتماد، ومكانة الجامعة، وقدرتها على استقطاب الطلبة والمشروعات والمنح.

لقد نشأ نظام الحوافز في الجامعات الرسمية ضمن سياق اقتصادي ومؤسسي معروف. فالرواتب الأساسية لم تعد، في حالات كثيرة، قادرة على منافسة ما تقدمه الجامعات الخاصة أو جامعات الخليج، خصوصاً في التخصصات الطبية والهندسية والتكنولوجية والمالية. وأصبحت الحوافز جزءاً فعلياً من الدخل الذي تعتمد عليه الأسر، كما أصبحت أداة تستخدمها الجامعات لتخفيف فجوة الرواتب، والحد من الاستقالات والإعارات، واستقطاب الكفاءات والمحافظة عليها.

لذلك فإن استبعاد إيرادات الدراسات العليا والبرامج الخاصة والاتفاقيات لا يمثل مجرد إعادة تنظيم لمصادر التمويل، بل يضيق الوعاء الذي تُحتسب منه الحوافز، وقد يقود عملياً إلى انخفاضها حتى من دون إعلان تخفيض نسبة محددة. وقد يكون تقليص الوعاء المالي أكثر خطورة من خفض النسبة نفسها، لأنه يضعف القاعدة التي تستند إليها الحوافز، ويجعل قيمتها أكثر ارتباطاً بأعداد طلبة الموازي والدولي، وأكثر عرضة للتقلب والتفاوت بين جامعة وأخرى.

وتظهر خطورة القرار بوضوح عند النظر إلى برامج الدراسات العليا. فهذه البرامج ليست نشاطاً هامشياً في الجامعة، بل هي المجال الذي تتركز فيه البحوث العلمية، والإشراف على الرسائل، والمناقشات، والنشر، وبناء المدارس البحثية. وعضو هيئة التدريس الذي يشرف على رسائل الماجستير والدكتوراه ويتابع الطلبة ويشارك في اللجان والمناقشات يتحمل أعباء علمية وزمنية كبيرة. وعندما تستبعد عوائد هذه البرامج من منظومة الحوافز، فإن الرسالة التي تصل إلى الأكاديمي هي أن الجهد البحثي والإشرافي مطلوب، لكن عائده المالي ينبغي أن يذهب إلى تغطية عجز الجامعة من دون أن ينعكس بصورة عادلة على من ينتجه.

هذا التناقض يضعف مصداقية الخطاب الرسمي الذي يدعو إلى رفع مستوى البحث العلمي وتحسين التصنيفات الدولية. فلا يمكن بناء جامعة بحثية قوية من خلال تقليص الحوافز المرتبطة بالبحث والإشراف، ولا يمكن مطالبة الأكاديمي بزيادة إنتاجيته العلمية ثم التعامل مع دخله باعتباره مجالاً سهلاً للخفض كلما واجهت الجامعة أزمة مالية.

كما أن القرار يهدد بزيادة الفجوة بين الجامعات الرسمية. فالجامعات الكبرى التي تتمتع بقدرة عالية على استقطاب طلبة الموازي والدولي ستظل أقدر على توفير حوافز مقبولة، بينما ستتراجع قدرة جامعات الأطراف والجامعات الأقل جذباً للطلبة. وبدلاً من تحقيق العدالة بين الجامعات، قد يؤدي النظام الجديد إلى انتقال الكفاءات من المؤسسات الأضعف مالياً إلى الجامعات الأكثر قدرة، أو إلى القطاع الخاص والخارج.

وهنا يظهر الخلل الاستراتيجي في القرار. فالدولة قد تحقق وفراً مالياً محدوداً في الأجل القصير، لكنها قد تتحمل كلفة أكبر في الأجل المتوسط والبعيد. فخسارة أستاذ متميز لا تعني فقدان راتبه فقط، بل فقدان خبرته، وأبحاثه، وطلبته، وشبكاته العلمية، ومشروعاته، وقدرته على تحسين سمعة الجامعة وتصنيفها. وتعويض هذه الخسارة قد يحتاج إلى سنوات، وقد لا يكون ممكناً أصلاً في بعض التخصصات النادرة.

كما أن معالجة الاختلال المالي للجامعات من خلال تقييد حوافز العاملين تعني عملياً تحميلهم مسؤولية أزمات لم يصنعوها. فالعجز الجامعي يرتبط بعوامل متعددة، من بينها ضعف التمويل الحكومي، والتوسع غير المدروس في البرامج، وارتفاع النفقات الإدارية، وتراكم المديونية، وضعف بعض أنظمة التحصيل والاستثمار. وإذا لم تُعالج هذه الأسباب، فإن تقليص الحوافز لن يكون إصلاحاً، بل مجرد نقل للأزمة من دفاتر الموازنة إلى دخل الأستاذ والموظف.

الإصلاح الحقيقي يقتضي بناء نموذج تمويل مستدام للجامعات، يقوم على دعم حكومي أكثر وضوحاً، وضبط النفقات الإدارية، وتعزيز الاستثمار والبحث التطبيقي والاستشارات والشراكات، ورفع كفاءة التحصيل، وربط جانب من الحوافز بالأداء والإنتاج العلمي. أما إضعاف الحوافز من دون معالجة الرواتب الأساسية ومن دون توفير بدائل مستقرة، فهو سياسة قد تدفع الكفاءات إلى المغادرة وتخفض القدرة التنافسية للجامعات.

وكان من الممكن الوصول إلى صيغة أكثر توازناً تضمن حداً أدنى مستقراً من الحوافز، وتحافظ على إدخال جزء من عوائد الدراسات العليا والبرامج الخاصة ضمن وعائها، مع وضع ضوابط للشفافية والعدالة والاستدامة. وكان يمكن أيضاً تطبيق أي تعديل بصورة تدريجية، لا بطريقة مفاجئة تمس دخلاً استقر عليه العاملون وبنوا عليه التزاماتهم المعيشية.

إن القضية في جوهرها ليست دفاعاً عن امتياز مالي، بل دفاع عن عنصر أساسي في الأمن الأكاديمي الوطني. فالجامعات لا تتنافس بالمباني وحدها، ولا تتقدم بالأنظمة والتشريعات فقط، وإنما بالكفاءات التي تعمل داخلها. وكل سياسة تضعف قدرة الجامعة على الاحتفاظ بأفضل أساتذتها هي سياسة تمس جودة التعليم، والبحث العلمي، وفرص الطلبة، ومكانة الدولة العلمية.

لقد كان قرار مجلس النواب الأول بإدخال عوائد الدراسات العليا أقرب إلى فهم الدور الحقيقي لعضو هيئة التدريس، بينما جاء التراجع اللاحق منسجماً مع أولوية مالية ضيقة ركزت على حماية الإيرادات أكثر من حماية رأس المال الأكاديمي. وقد يكون هذا التوجه مفهوماً من زاوية إدارة العجز، لكنه لا يرقى إلى مستوى السياسة الاستراتيجية المطلوبة لإصلاح التعليم العالي.

إن الاستقرار المالي للجامعات هدف ضروري، لكنه لا يتحقق بإضعاف استقرار العاملين فيها. وأي إصلاح لا يوازن بين سلامة الموازنة والاحتفاظ بالكفاءات سيبقى إصلاحاً ناقصاً. فالوفورات التي تتحقق من تقليص الحوافز قد تظهر سريعاً في الحسابات، أما خسارة العقول وتراجع الجودة والبحث العلمي فلن تظهر فوراً، لكنها ستكون أعمق أثراً وأعلى كلفة وأكثر صعوبة في المعالجة.

وعليه، فإن المطلوب ليس فقط إعادة النظر في المادة المتعلقة بالحوافز، بل إعادة النظر في المنطق الذي حكمها. فالدولة التي تريد جامعات قوية لا ينبغي أن تتعامل مع عضو هيئة التدريس باعتباره عبئاً على الموازنة، بل باعتباره استثماراً وطنياً طويل الأجل. وحماية هذا الاستثمار ليست تنازلاً لفئة وظيفية، وإنما حماية لمستقبل التعليم العالي الأردني وقدرته على البقاء والمنافسة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :