السردية الأردنية في مواجهة النسيان: لماذا أصبح الأرشيف جزءًا من السيادة الوطنية؟
د. محمود قدره العناقرة
21-07-2026 11:23 AM
لم تكن زيارة سمو الأمير الحسن بن طلال إلى دائرة المكتبة الوطنية الأردنية الأسبوع الماضي مجرد مناسبة ثقافية أو محطة بروتوكولية عابرة، الرسالة التي حملتها الزيارة بدت أعمق من ذلك بكثير، لأنها أعادت طرح سؤال جوهري يتعلق بمستقبل الأردن وذاكرته الوطنية: من يحفظ قصة الدولة؟ ومن يوثق مسيرتها؟ ومن يضمن أن تبقى السردية الأردنية حاضرة في الوعي الوطني والعربي والعالمي، لا أن تترك فراغات تسمح للآخرين بملئها؟
وفي عصر الذكاء الاصطناعي، لم يعد الأرشيف مجرد مستودع للوثائق القديمة، ولم تعد المكتبة الوطنية مجرد مؤسسة تحفظ الكتب والمخطوطات، فالمعرفة الإنسانية تدخل اليوم مرحلة جديدة، تتحول فيها الوثائق إلى بيانات رقمية، وتصبح قواعد البيانات ومحركات البحث ومنصات الذكاء الاصطناعي مصادر رئيسية لفهم التاريخ والسياسة والثقافة.
ومن هنا، فإن حفظ الأرشيف الأردني ورقمنته وإتاحته لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروعًا ثقافيًا أو إداريًا فحسب، بل باعتباره جزءًا أساسيًا من بناء السردية الوطنية وحمايتها، فالسردية الأردنية، في جوهرها، ليست مجرد مجموعة من الشعارات أو الروايات المتداولة، وإنما هي بناء تاريخي متكامل يتشكل من الوثيقة، والشهادة، والذاكرة الشعبية، والمكان، والمؤسسة، وتجربة الدولة والمجتمع عبر الزمن.
والأرشيف هو النسيج الذي يجمع هذه العناصر ويمنحها القدرة على الاستمرار.
وعندما نتحدث عن السردية الأردنية، فإننا نتحدث عن تاريخ طويل ومعقد تشكل عبر طبقات متراكمة من الحضارات والممالك والمجتمعات، ثم عبر مراحل سياسية متعاقبة انتهت إلى قيام الدولة الأردنية الحديثة، إنها سردية لا تبدأ من لحظة تأسيس الدولة، ولا تختزل في مرحلة زمنية واحدة، بل تمتد من عمق التاريخ القديم إلى العصر الحديث، مرورًا بالمراحل النبطية والرومانية والإسلامية والعثمانية، وصولًا إلى تأسيس الإمارة ثم استقلال المملكة وتطور مؤسساتها السياسية والاجتماعية.
هذه الاستمرارية التاريخية تحتاج إلى وثائق تحفظها وتربط حلقاتها بعضها ببعض.
فالدولة لا تبني سرديتها الوطنية من الذاكرة وحدها، والذاكرة بطبيعتها انتقائية وقابلة للنسيان وإعادة التفسير، أما الوثيقة فتمنح الذاكرة أساسًا يمكن الرجوع إليه والتحقق منه ومقارنته، ولذلك فإن الأرشيف لا يحفظ التاريخ فقط، بل يحمي السردية من التشظي والانقطاع.
ومن هنا يمكن فهم التحذير الذي أطلقه الأمير الحسن من مفهوم "إبادة الذاكرة"، أو "Memoricide"، فإبادة الذاكرة لا تعني بالضرورة تدمير الوثائق بصورة مادية، بل قد تحدث أيضًا عندما تُترك الوثائق مبعثرة، أو غير مفهرسة، أو بعيدة عن متناول الباحثين، أو عندما تغيب عن البيئة الرقمية التي ستشكل مستقبل المعرفة.
في هذه الحالة، قد يبقى التاريخ موجودًا، لكن حضوره يتراجع، وتصبح القدرة على روايته من منظور أهله ومجتمعه أكثر صعوبة.
وهنا تحديدًا تظهر العلاقة المباشرة بين الأرشفة والسردية الأردنية.
فالسردية الوطنية لا يمكن أن تكون قوية إذا كانت مصادرها مبعثرة، ولا يمكن أن تكون متماسكة إذا كانت الوثائق التي توثق مراحل تطورها موزعة بين مؤسسات مختلفة، أو محفوظة في أرشيفات خارج البلاد، أو موجودة في مجموعات شخصية مهددة بالضياع.
الأردن، من هذه الزاوية، يمتلك عناصر مهمة لبناء منظومة وطنية متقدمة لحفظ الذاكرة، فقد وضع قانون الوثائق الوطنية لعام 2017 إطارًا قانونيًا لحفظ السجلات الرسمية، كما أن قانون ضمان حق الحصول على المعلومات الذي أقر عام 2007 شكل خطوة متقدمة في البيئة العربية، وأطلقت دائرة المكتبة الوطنية كذلك منصة "وثق"، التي تتيح للمواطنين المساهمة في حفظ الصور والوثائق والتسجيلات وغيرها من المواد التاريخية.
لكن المطلوب اليوم هو الانتقال من مرحلة وجود المؤسسات والأطر القانونية إلى مرحلة بناء منظومة وطنية متكاملة للأرشفة، تكون مهمتها أبعد من تخزين الوثائق، المطلوب هو إنشاء بنية معرفية تستطيع أن تجمع الوثائق وتربطها بالسياق التاريخي والجغرافي والمؤسسي الذي نشأت فيه، بحيث يصبح الأرشيف مادة حية لبناء السردية الأردنية ودراستها وإعادة إنتاجها للأجيال القادمة.
فالأرشيف الأردني يجب ألا يكون مجرد مجموعة من الملفات المنفصلة، بل شبكة مترابطة من الذاكرة الوطنية.
وثيقة حكومية عن مرحلة تأسيس الإمارة، على سبيل المثال، تكتسب قيمة أكبر عندما تُقرأ إلى جانب الصحافة التي صدرت في تلك الفترة، ومذكرات الشخصيات السياسية، وصور المدن والقرى، وسجلات العائلات، وشهادات المواطنين الذين عاشوا تلك المرحلة، عندها تتحول الوثائق المتفرقة إلى سردية متكاملة، ويصبح التاريخ أكثر قدرة على التعبير عن المجتمع والدولة معًا.
وهذا يفرض توسيع مفهوم الأرشيف ليشمل الذاكرة الاجتماعية أيضًا.
فجزء كبير من السردية الأردنية لا يوجد في المؤسسات الرسمية، وإنما في البيوت والعائلات، الصور القديمة، والرسائل، والمذكرات، وسجلات العائلات، والتسجيلات الصوتية، والروايات الشفوية، كلها تشكل أجزاء مهمة من الذاكرة الوطنية.
وإذا لم يتم جمع هذه المواد وحفظها ورقمنتها، فإن جانبًا مهمًا من التاريخ الاجتماعي للأردن قد يختفي تدريجيًا مع رحيل الأجيال التي احتفظت به.
ومن هنا يمكن لمنصة "وثق" أن تتحول إلى مشروع وطني استراتيجي، لا يقتصر على استقبال المواد، بل يعمل على الوصول إليها، ويمكن إنشاء برامج وطنية تشجع المواطنين على تقديم مقتنياتهم التاريخية، بالتعاون مع الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الثقافية.
كما يمكن للجامعات أن تؤدي دورًا محوريًا في هذا المشروع، من خلال تدريب الطلبة على جمع الوثائق وتصنيفها ورقمنتها، وإجراء مقابلات مع كبار السن وتوثيق التاريخ الشفوي في مختلف المحافظات، وبهذه الطريقة تصبح عملية بناء السردية الأردنية مشروعًا يشارك فيه المجتمع بأكمله، وليس مهمة حصرية للمؤسسات الرسمية.
وهنا تبرز أهمية التوازن بين السردية الرسمية والذاكرة المجتمعية، فالسردية الوطنية القوية ليست التي تستبعد التعدد في التجربة، وإنما التي تستوعبه ضمن إطار وطني جامع، إن توثيق تاريخ المدن والقرى والبادية والمخيمات، وتاريخ المؤسسات العسكرية والمدنية، وتاريخ الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وتجارب الأفراد والعائلات، يمنح السردية الأردنية عمقًا أكبر ويجعلها أكثر قدرة على تمثيل المجتمع بكل مكوناته.
كما أن الأرشيف يجب أن يشمل مؤسسات الدولة كافة، بما فيها الديوان الملكي والقوات المسلحة والأجهزة الأمنية، ولا يعني ذلك فتح الملفات السرية أو المساس بالمعلومات التي لا تزال تحمل قيمة أمنية، وإنما وضع نظام واضح لدورة حياة الوثائق، بحيث تبقى المعلومات الحساسة محمية طوال الفترة التي تقتضيها المصلحة الوطنية، ثم تُتاح الوثائق التاريخية التي فقدت حساسيتها وفق قواعد زمنية واضحة.
فالدولة التي تملك أرشيفًا منظمًا تستطيع أن تكتب تاريخها بثقة، بينما الدولة التي تترك وثائقها مغلقة أو مبعثرة تترك مساحات واسعة للتأويل والانتقائية.
ولا تنحصر المسألة داخل الحدود الأردنية، فجزء من تاريخ الأردن موجود في أرشيفات ومتاحف ومؤسسات خارج البلاد، مسلة ميشع، التي توثق جانبًا من تاريخ مملكة مؤاب، اكتُشفت بالقرب من ذيبان عام 1868، وهي موجودة منذ أكثر من قرن في متحف اللوفر، كما أن العديد من الوثائق العثمانية والنقوش والمجموعات التي تتصل بتاريخ الأراضي التي تشكل الأردن الحديث موزعة بين إسطنبول وباريس ولندن وغيرها.
وهذا الواقع يفرض على الأردن أن يتعامل مع استعادة ذاكرته باعتبارها مشروعًا طويل الأمد، ولا تعني استعادة الذاكرة بالضرورة استعادة الأصول المادية كافة، فالتكنولوجيا تفتح طريقًا آخر من خلال الرقمنة، ويمكن للأردن أن يبني شراكات مع المؤسسات الدولية التي تحتفظ بوثائق تتعلق بتاريخه، بهدف الحصول على نسخ رقمية عالية الجودة وإدماجها في قاعدة بيانات وطنية موحدة.
بهذا المعنى، يمكن أن يصبح الأرشيف الرقمي الأردني مساحة تجمع ما هو موجود داخل البلاد بما هو موجود خارجها، وتعيد وصل أجزاء السردية التي تفرقت عبر الزمن والجغرافيا.
وهذا الأمر يكتسب أهمية خاصة في عصر الذكاء الاصطناعي، فالخوارزميات لا تملك ذاكرة تاريخية مستقلة، وإنما تتعلم من البيانات المتاحة لها، وإذا كانت المصادر الأردنية غائبة عن البيئة الرقمية العالمية، فإن صورة الأردن وتاريخه ستُبنى بصورة متزايدة من خلال ما توفره المصادر الخارجية، وقد تكون هذه المصادر ناقصة أو مجتزأة أو مكتوبة من زوايا لا تعكس بالضرورة التجربة الأردنية.
لذلك فإن رقمنة الأرشيف ليست فقط عملية لحفظ الماضي، بل هي أيضًا وسيلة لحماية حضور الأردن في مستقبل المعرفة.
تحتاج السردية الأردنية إلى أن تكون حاضرة في الكتب، لكنها تحتاج كذلك إلى أن تكون حاضرة في قواعد البيانات الرقمية، والمكتبات الإلكترونية، والأرشيفات المفتوحة، ومنصات البحث والذكاء الاصطناعي، وهذا لن يتحقق إلا إذا كانت الوثيقة الأردنية متاحة، موثقة، ومفهرسة وفق معايير تضمن سهولة الوصول إليها واستخدامها.
في النهاية، فإن حماية الأرشيف الأردني يجب أن تُفهم باعتبارها حماية لنسيج السردية الوطنية نفسها.
فالوثائق هي الخيوط التي تربط الماضي بالحاضر، والأرشيف هو النسيج الذي يجمع هذه الخيوط في صورة واحدة، وكلما كانت الخيوط ناقصة أو مفقودة، ظهرت فجوات في السردية، وكلما كانت الوثائق محفوظة ومترابطة ومتاحة، أصبحت الرواية الوطنية أكثر تماسكًا وقدرة على الصمود.
الأردن لا يحتاج إلى اختراع ذاكرة جديدة، بل إلى حماية الذاكرة التي يمتلكها بالفعل، وجمع أجزائها المتناثرة، وربطها في سردية وطنية متماسكة تعترف بتعدد التجارب، وتستند إلى الوثيقة، وتحفظ حق الأجيال المقبلة في معرفة تاريخ بلدها من مصادره الأصلية.
وفي زمن تتزايد فيه قدرة التكنولوجيا على تشكيل الوعي، فإن معركة الذاكرة لم تعد معركة على الماضي فقط، إنها معركة على المستقبل.
فمن يمتلك أرشيفه يمتلك القدرة على رواية قصته، ومن يحفظ وثيقته يحمي جزءًا من سيادته، ومن يترك ذاكرته مبعثرة قد يجد، بعد سنوات، أن الآخرين أصبحوا أكثر قدرة منه على تعريف تاريخه.
ولهذا فإن الاستثمار في الأرشيف الأردني ليس إنفاقًا على الماضي، بل استثمار في استمرارية الدولة وسلامة سرديتها الوطنية وحضورها في المستقبل، فالسردية الأردنية لا تُبنى بالكلمات وحدها، وإنما بالوثائق التي تمنح الكلمات معناها، وبالذاكرة التي تمنح الدولة جذورها، وبالأرشيف الذي يضمن ألا تنقطع الصلة بين الأردن الذي كان، والأردن الذي هو كائن، والأردن الذي سيكون.