الملكية العقارية: ثروة أم عقوبة؟
د. جعفر النسور
21-07-2026 11:31 AM
تحتل الملكية العقارية مكانة خاصة في حياة الأفراد والمجتمعات، فهي ليست مجرد أصل مالي أو قيمة مسجلة في سجلات الملكية، بل ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالاستقرار والأمان وحفظ المدخرات وبناء المستقبل. فالمسكن يمثل ملاذ الأسرة ومصدر طمأنينتها، والأرض أو العقار قد يكون ثمرة سنوات من العمل والادخار، أو إرثًا انتقل عبر الأجيال يحمل قيمة اقتصادية واجتماعية.
إلا أن النظر إلى العقار باعتباره ثروة مطلقة قد يقود إلى قراءة ناقصة لطبيعته الاقتصادية؛ فالأصول لا تُقاس فقط بما تملكه من قيمة اسمية، وإنما بقدرتها على إنتاج منفعة أو عائد مستدام. فقد يكون العقار ذا قيمة سوقية مرتفعة، لكنه يظل محدود الأثر الاقتصادي إذا لم يتحول إلى مصدر دخل أو منفعة حقيقية لمالكه.
وتتجسد القيمة الحقيقية للعقار في قدرته على تجاوز حدود الامتلاك المجرد إلى أداء دور اقتصادي فاعل؛ فهو أصل يحافظ على رأس المال، وقد يساهم في تنميته عبر الزمن، كما يمكن أن يتحول إلى مصدر دخل مستدام عندما يُوظف في أنشطة إنتاجية أو استثمارية.
كذلك يمثل العقار أداة لحماية المدخرات من تراجع القوة الشرائية، ووسيلة يمكن الاعتماد عليها في توفير الضمانات اللازمة للحصول على التمويل ودعم الحركة الاقتصادية.
لكن الصورة لا تخلو من وجه آخر ؛ فالعقار قد يفقد جزءًا من قيمته الاقتصادية عندما يتحول من أصل منتج إلى مصدر للأعباء والاستنزاف. فالتكاليف المتراكمة للصيانة، والرسوم، والضرائب، قد تؤدي إلى تراجع العائد الحقيقي للعقار وتضعف جدواه الاقتصادية، لا سيما عندما لا يقابل هذه الأعباء دخل أو منفعة تتناسب معها.
كما قد تتأثر القيمة السوقية للعقار نتيجة التحولات الاقتصادية أو العمرانية، أو بسبب تراجع الطلب في بعض المناطق، الأمر الذي قد يحد من قدرته على الاحتفاظ بقيمته أو تحقيق العائد المتوقع منه. وتزداد هذه التحديات عندما يكون العقار مرتبطًا بتمويل مصرفي مرتفع الكلفة، إذ قد تتحول الأقساط والالتزامات طويلة الأجل إلى ضغط مستمر على دخل الأسرة، وتحد من قدرتها على تلبية احتياجاتها والتزاماتها الأخرى.
وقد تمتد هذه التحديات إلى من انتقلت إليهم ملكية عقارية عن طريق الميراث؛ فقد يرث الإنسان عقارًا أو أرضًا ذات قيمة سوقية مرتفعة، لكنه لا يحقق منها أي دخل أو منفعة مباشرة، وقد يكون من محدودي الدخل بحيث لا يمتلك القدرة الكافية لتحمل ما يرتبط بها من ضرائب ونفقات مستمرة
ومن هنا، فإن العقار لا يصبح ثروة بمجرد امتلاكه، كما لا يتحول إلى عبء بطبيعته، وإنما تتحدد مكانته الحقيقية بقدرته على تحقيق المنفعة والعائد، وبمدى التوازن بين قيمة الملكية والأعباء المترتبة عليها، وقدرة مالكها على تحمل تلك الأعباء في ظل البيئة الاقتصادية والتشريعية المحيطة بها.
ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن الضرائب العقارية ينبغي أن يُبنى على أساس من الإنصاف والموضوعية والتوازن، بعيدًا عن المبالغة أو النظرة الأحادية. فلا خلاف على حق الدولة في فرض الضرائب على المسقفات باعتبارها موردًا مشروعًا للخزينة العامة، ومساهمة وطنية يشارك من خلالها المواطن في تمويل الخدمات العامة، وتطوير البنية التحتية، ودعم مسيرة التنمية، وتمكين الدولة من الوفاء بالتزاماتها تجاه المجتمع
غير أن العدالة الضريبية لا تكتمل بمجرد فرض الضريبة، وإنما تتحقق بمدى تناسبها مع طبيعة الملكية وقدرة مالكها على الوفاء بها. فالضريبة العقارية العادلة هي التي تبقى ضمن حدود معقولة، وبنسب يسيرة من قيمة العقار، تراعي اختلاف أوضاع المالكين وطبيعة العقارات، بحيث لا تتحول من مساهمة وطنية مشروعة إلى عبء اقتصادي يرهق المواطن أو يحد من قدرته على الانتفاع بملكه .
إن التوازن بين حق الدولة في تحصيل الإيرادات، وواجب المواطن في الإسهام في تمويل متطلبات المصلحة العامة، وحقه في حماية ملكيته من الالتزامات غير المتناسبة، هو الأساس الذي يجعل الضريبة أداة للتنمية وتعزيز الصالح العام.
فالملكية العقارية ينبغي أن تبقى وسيلة لحفظ القيمة وبناء الثروة، لا أن تتحول بفعل أعباء غير متوازنة إلى عبء يثقل كاهل مالكها، أو إلى ما يشبه العقوبة على مجرد التملك.