facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




المادة السابعة من قانون الجامعات .. من نقاش النص إلى سؤال استقرار التشريع


فيصل تايه
22-07-2026 09:05 AM

عندما تناولنا سابقاً مشروع القانون المعدل لقانون الجامعات الأردنية، انطلق النقاش من سؤال جوهري يتعلق بطبيعة الجامعة التي نريدها للأردن في المرحلة المقبلة، ودور التشريع في بناء مؤسسة جامعية أكثر قدرة على المنافسة، وإنتاج المعرفة، والاستجابة للتحولات العالمية المتسارعة.

واليوم، وبعد النقاشات التي رافقت المراحل اللاحقة لإقرار القانون، وما أثير حول المادة السابعة منه، تبرز أهمية التوقف عند جانب لا يقل أهمية عن مضمون النص ذاته، وهو استقرار التشريع وجودة المسار الذي يصل من خلاله القانون إلى صورته النهائية.

فالتشريعات التي تنظم التعليم العالي ليست مجرد نصوص إدارية، وإنما هي قواعد حاكمة لمؤسسات وطنية تضطلع بدور أساسي في بناء الإنسان، وتأهيل الكفاءات، وإنتاج المعرفة. ولذلك فإن أي تعديل يطال منظومة الجامعات يجب أن يُقرأ ضمن إطار أوسع من حدود المادة القانونية نفسها، ليشمل أثره على المؤسسة الجامعية واستقرارها وقدرتها على التخطيط للمستقبل.

وقد جاء النقاش حول المادة السابعة (وتحديدًا الفقرة "هـ" منها) والمتعلقة بتنظيم آليات صرف الحوافز لأعضاء الهيئتين التدريسية والإدارية في الجامعات الرسمية، ليكشف أهمية هذا الجانب؛ فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بمضمون المادة، وإنما أصبحت مثالاً على أهمية أن تصل التشريعات ذات الأثر المباشر على المؤسسات والأفراد إلى أعلى درجات الوضوح والتوازن قبل التطبيق.

ومن المهم التأكيد أن مراجعة القوانين وتعديلها خلال مراحلها التشريعية أمر طبيعي في الأنظمة البرلمانية، بل هو جوهر العمل التشريعي الذي يقوم على الحوار وتبادل وجهات النظر للوصول إلى أفضل صيغة ممكنة. فالاختلاف في الرأي بين المؤسسات الدستورية ليس سلبياً بذاته، وإنما يمكن أن يكون عنصرًا إيجابياً عندما يقود إلى تحسين النصوص وتعزيز قدرتها على تحقيق أهدافها.

غير أن نجاح أي مسار تشريعي، خصوصاً في القوانين التي تمس القطاعات الوطنية الكبرى، يبقى مرتبطاً بعمق الحوار، ووضوح الإجراءات، وإتاحة المجال لمناقشة مختلف الآراء والخبرات قبل استقرار النص بصورته النهائية. فكلما اتسعت مساحة النقاش المؤسسي، ازدادت قدرة القانون على تحقيق القبول والاستقرار عند التطبيق.

وهنا تظهر أهمية مفهوم الاستقرار التشريعي؛ فالاستقرار لا يعني تجميد القوانين أو منع تطويرها، وإنما يعني أن تكون رحلة التشريع قائمة على دراسة عميقة ورؤية واضحة، بحيث تشعر المؤسسات والأفراد بأن القواعد التي تحكم عملهم مستقرة ويمكن البناء عليها.

وفي حالة الجامعات، فإن هذا الأمر يكتسب أهمية مضاعفة؛ فالجامعة مؤسسة تقوم على التخطيط طويل المدى، واستقطاب الكفاءات، وبناء البرامج الأكاديمية والبحثية، وهي بحاجة إلى بيئة تشريعية تساعدها على تحقيق أهدافها.

كما أن الحديث عن الحوافز في الجامعات لا ينبغي أن يختزل في الجانب المالي فقط، رغم أهميته، بل يجب النظر إليه باعتباره جزءًا من منظومة متكاملة ترتبط بتحفيز الأداء، والمحافظة على الكفاءات، وتعزيز القدرة على المنافسة.

وفي هذا السياق، فإن أي تعديل يمس منظومة الحوافز يستدعي دراسة دقيقة لأثره المؤسسي؛ لأن انعكاساته لا تتوقف عند الجانب المالي، وإنما تمتد إلى استقرار البيئة الأكاديمية، والمحافظة على الكفاءات، وقدرة الجامعات الرسمية على جذب المتميزين.

فالأستاذ الجامعي يمثل رأس المال الفكري للمؤسسة، وأي تشريع يتعلق بحقوقه الوظيفية ينبغي أن يوازن بين متطلبات الاستدامة المالية للجامعات وبين الحفاظ على استقرار المراكز القانونية والحقوق المكتسبة، بما يضمن استمرار الجامعة في أداء رسالتها العلمية والوطنية.

ومن هنا فإن إصلاح التعليم العالي يجب أن ينظر إلى الصورة الكاملة؛ فالتحديات التي تواجه الجامعات الأردنية تشمل التمويل، والبحث العلمي، والتحول الرقمي، وإنتاج المعرفة، وبناء الشراكات، والاستجابة لمتطلبات اقتصاد المعرفة.

ولهذا فإن التشريع الجامعي الناجح هو الذي يحقق التوازن بين الاستقلالية والمساءلة، وبين المرونة والحوكمة، وبين الصلاحيات والمسؤوليات، بحيث يصبح القانون أداة للتطوير والابتكار.

إن النقاش الذي رافق المادة السابعة يقدم فرصة لاستخلاص درس أوسع: أن نجاح الإصلاح لا يعتمد فقط على جودة النصوص، بل على بناء الثقة التشريعية حولها.فالقوانين لا تنظم عمل المؤسسات فقط، وإنما تبني الثقة بينها وبين الدولة والعاملين فيها. وعندما تتوافر هذه الثقة، يصبح التشريع عنصرًا للاستقرار، لا مصدرًا للقلق أو عدم اليقين.

وفي ظل التحولات العالمية المتسارعة، وخصوصاً في مجالات الذكاء الاصطناعي والتعليم الرقمي واقتصاد المعرفة، فإن الجامعات الأردنية تحتاج إلى تشريعات تمنحها القدرة على الحركة والتطوير وصناعة المستقبل.

ولعل أهم ما كشفته المادة السابعة أن جودة التشريع لا تُقاس فقط بصحة النصوص، وإنما بقدرتها على بناء التوافق المؤسسي حولها؛ فالتشريع الرشيد هو الذي يجمع بين سلامة الصياغة، وعدالة الأثر، واستقرار التطبيق.

إن السؤال الحقيقي بعد هذا النقاش ليس فقط: ما الصيغة النهائية للمادة السابعة؟
بل السؤال الأوسع هو: كيف نضمن أن تكون التشريعات التي تنظم جامعاتنا بمستوى الطموح الذي نريده لهذه المؤسسات؟

فالقوانين الناجحة ليست تلك التي تنتهي عند لحظة إقرارها، وإنما تلك التي تبدأ آثارها الإيجابية بعد التطبيق، عندما تمنح المؤسسات القدرة على العمل بثقة، وتوفر البيئة المناسبة للإنجاز. فالجامعات لا تُبنى بالقوانين وحدها، لكنها لا تستطيع أن تنهض دون قوانين مستقرة وواضحة تحقق التوازن بين متطلبات الإصلاح وحقوق الإنسان الجامعي، وبين الحوكمة الرشيدة واستقلال المؤسسة الأكاديمية.

ومن هنا فإن النقاش الذي رافق المادة السابعة ينبغي أن يُقرأ بوصفه فرصة لتعزيز جودة التشريع الجامعي، وترسيخ مبدأ أن بناء المستقبل يبدأ دائمًا من نص قانوني رصين، وحوار مؤسسي مسؤول، ورؤية وطنية تضع مصلحة الجامعة الأردنية والتعليم العالي في مقدمة الأولويات.

والله ولي التوفيق.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :