زمامُ المبادرة قبلَ زمامِ الإدارة
م. رياض الخرابشة
22-07-2026 09:32 AM
المؤسسات لا تعمل في فراغ، فهي تتأثر على الدوام بعوامل خارجية لا تملك السيطرة عليها بالكامل؛ كالتشريعات، وتعدد الجهات ذات العلاقة، والإجراءات الحكومية، وتقلبات الأسواق، والظروف الاقتصادية، والمتغيرات السياسية والتقنية. وقد تتحول هذه العوامل إلى عائق حقيقي أمام الإنجاز إذا اكتفت الإدارة التنفيذية بالتعامل معها بوصفها واقعًا مفروضًا لا سبيل إلى تغييره.
لكن الإدارة التنفيذية لا تُقاس بقدرتها على إدارة ما يقع داخل المؤسسة فحسب، بل بقدرتها على إدارة ما يحيط بها أيضًا. فهناك فرق كبير بين مؤسسة تتعامل مع البيئة الخارجية بردة فعل، وأخرى تتعامل معها بروح المبادرة. الأولى تنتظر حتى تتشكل الظروف ثم تحاول التكيف معها، أما الثانية فتسعى إلى التأثير في تلك الظروف، وإعادة تنظيمها، وبناء التفاهمات اللازمة مع الجهات المعنية، بحيث تصبح أكثر انسجامًا مع متطلبات العمل وتحقيق المستهدفات.
ومن هنا، فإن جزءًا أصيلًا من عمل الإدارة التنفيذية يتمثل في إدارة العلاقات المؤسسية، وبناء جسور التنسيق، وتوحيد الفهم بين الشركاء، ومعالجة نقاط التعارض قبل أن تتحول إلى أزمات. فكثير من العقبات التي تبدو خارج إرادة المؤسسة ليست مستعصية على الحل، وإنما تحتاج إلى مبادرة مبكرة، وحوار مهني، وترتيبات واضحة، وتوزيع دقيق للأدوار والمسؤوليات.
الإدارة التي تكتفي بتوصيف المشكلة باعتبارها «خارجة عن إرادتنا» تكون قد تخلت، ولو دون قصد، عن أحد أهم أدوارها. أما الإدارة الفاعلة فتتعامل مع كل عامل خارجي، مهما كان خارج نطاق سلطتها المباشرة، بوصفه ملفًا يجب العمل عليه، وفهمه، والتأثير فيه ضمن الأطر النظامية والمؤسسية المتاحة.
ولهذا فإن المؤسسات المتميزة لا تنتظر حتى تتحسن البيئة المحيطة بها، بل تشارك في تحسينها. فهي تبادر إلى عقد الاجتماعات، وتشكيل فرق العمل المشتركة، وإبرام التفاهمات، وتطوير الإجراءات، واقتراح الحلول، وبناء الثقة مع الشركاء؛ لأن هذه الأدوات كثيرًا ما تختصر الوقت، وتخفض الكلفة، وترفع جودة الأداء، وتزيل من طريق العمل كثيرًا من العقبات التي كان يمكن أن تستمر لو تُركت للظروف وحدها.
إن الفرق الحقيقي بين إدارة وأخرى لا يكمن في حجم التحديات الخارجية، فهذه تواجه جميع المؤسسات، وإنما في طريقة التعامل معها. فهناك من يجعلها مبررًا لتباطؤ الإنجاز، وهناك من يحولها إلى فرصة لتعزيز التعاون، وتبسيط الإجراءات، وتسريع التنفيذ، وتحقيق نتائج أفضل.
في النهاية، لا تُقاس كفاءة الإدارة بعدد المشكلات التي واجهتها، بل بقدرتها على منع تلك المشكلات من تعطيل رسالتها. فالمبادرة ليست مجرد أسلوب في العمل، بل هي وظيفة أصيلة للإدارة التنفيذية؛ لأن الإدارة التي تمتلك زمام المبادرة لا تسمح للظروف الخارجية بأن تقود المؤسسة، بل تعمل على توجيهها، وتحويلها إلى جزء من منظومة الإنجاز، لا سببًا في إبطائه.
إن امتلاك زمام الإدارة لا يكفي وحده لتحقيق النتائج، فالإدارة تبدأ فعليًا عندما تمتلك زمام المبادرة. ومن يسبق إلى الفعل، ويصنع التوافقات، ويبني الشراكات، ويؤثر في بيئته المؤسسية، هو الأقدر على تحويل التحديات إلى فرص، والظروف إلى أدوات للإنجاز. ولهذا كان زمامُ المبادرة دائمًا… قبل زمامِ الإدارة.